01‏/08‏/2008

ومضات

إن إستيلاد الفلسفة من رحم أية تجربة إنسانية أمر محكوم بمعادلة معقدة تعتمد التزاوج الحميم ما بين أربعة مركبات أساسية قادرة على صناعة تفاعل جدلي صالح لاحتضان بذور الفلسفة وتحريض نموها واستطالتها وامتدادها في أخاديد الوعي الأنساني.
وتتمثل هذه المركبات في أبعاد أربعة هي:
البعد الأول:
طموح العقل إلى الانفتاح على القضايا الكونية الكبرى، أو المواضعات الاجتماعية والثقافية والسياسية..الخ ووضعها في موضع السؤال والمساءلة.
البعد الثاني:
إمتلاك العقل الوعي الكافي بذاته ، وبحريته في السؤال والمساءلة والكشف ضمن إطاره التاريخي.
البعد الثالث:
قدرة هذا العقل على الحوار العميق والحميم الذي يتجاوز الواقع العياني الشكلاني في صورته المألوفة نحو واقع أعم، يرى منطق الصيرورة في هيئتها الجوهرية وهي متخفية وراء التغيرات العرضية العابرة.
البعد الرابع :
قدرة العقل على خلق محاولة واعية تهدف الى إقامة علاقة جدلية مابين الوعي الحاضر في عصر ما ، ووعيه التا ريخي لاستشراف علاقات جديدة ،مخبؤة مابين طيات الوعيين في علاقاتهما الجدلية .
وأما الانتاج الثقافي الذي يراد له أن يسامي الخطاب الفلسفي فهو أكثر صعوبة وتعقيداً وذلك لمقاربته جملة من الفخاخ التي تتطلب درجة عالية من الحساسية والوعي.
ويمكننا إجمال ماينبغي تجنبه من فخاخ في هذه الامور التالية:
(1) تجنب فخ الاختناق الذي يمكن أن يقع مابين الوعي الفردي والوعي الجمعي ، ولكن دونما الأعراض عن العكوف على النفس لسبر أغوارها ودخائلها وأسرارها باعتبارها محلاً للانتماء والهوية .
(2) تجنب فخ التيبس الذي يحجر الصيرورة ويمنع الفلسفة من أن تكون تفاعلاً حياً مع معطيات عصرها ولكن دونما اللجؤ الى تكسير الانساق المنطقية للعلاقات والا أشياء باعتبارها معطىً ثابتاً لصالح قابلية التطور، والاتحول الانتاج الفلسفي الى مجرد وصف تجريدي لعلاقات عدمية، وتركيم شكلاني متموه مع الترابط العضوي بين العلاقات .
(3)تجنب الوقوع في فخ الاتجاه التدويني أوالتسجيلي للوقائع والموضوعات....ولكن دون أن يستدعي ذلك الوقوع في الأغتراب عن الخبرات المعاشة
(4) . تجنب الخطاب الفلسفي الوقوع في فخ الخطاب السياسي والإعلامي أو الدعائي المباشر ، ولكن دونما أن يستدعي ذلك تحول الفلسفة الى مجرد تعبير عن الهواجس الداخلية الفردية المعزولة عن هموم الإنسان .
(5) تجنب الوقوع في فخ الأنضباع للقراءة السائدة للواقع والتاريخ والثقافة ......الخ ولكن دونما اللجؤ الى تحرير الفلسفة من مرتكزاتها الأولية لتصير الى المطلق السد يمي .
(6) تجنب الوقوع في فخ الأنصياع للقيم المسقطة ،.ممتنعاً عن مسآءلتها وتفتيشها ..ولكن دون أن يعني ذلك موضعة الفلسفة خارج الوعي الأنساني جملة .
(7) تجنب الوقوع في فخ المرجعيات القارة التي يسلم بتنصيبها قبل محاكمتها وكشفها، ومقاربة الوقوع في دركات الغيبي الميتافيزيقي ،وهذه الأخيرة تمثل عبئاً حقيقياً على التفكير الفلسفي إذا تم أدراجها كمعامل منجز وجاهز دونمامساءلة وكشف ولكن دون أن يعني ذلك التراجع عن المكتسبات التي حققها الأنسان عبر مسيرته الطويلة في البحث والأستقصاء والتجربة التاريخية.
(8) تجنب الوقوع في فخ التنميط الذي يجعل من الفلسفة هيكلاً من الأنماط التي تنحو بها الى مقاربة الأيديولوجيا ومحاكاتها ولايعني ذلك أن تتردى أبداً في دوامة الخطاب الشعري الأدبي .
(9) تجنب الخطاب الفلسفي الوقوع في فخ العياني الشكلاني في تجلياته السياقية الظاهرة ..ولكن دونما الولوج الى خط الأنهيار الذي ينتهي عنده الوعي العقلي ليدخل حيز التأمل الصوفي الحلمي .
(10) تجنب الخطاب الفلسفي الوقوع في فخ الخطاب العلمي الجامد، وذلك باستضمار الفلسفة الى مجرد فن إبداعي يكتفي بممارسة مستوى من مستويات القراءة العلمية للأشياء وا لمواضيع ....متجاوزاً كون الفلسفة لابد أن تعنى بصياغة المنطق الداخلي الذي يباطن إلأشياء والمواضيع والعلاقات لخلق نوع من التواصل والتخاطر معها متحللاً من إيقاعها الخاص الجامد إلى أ فق أعم وأكثر حيوية وفاعلية واتصالا بهموم الناس أيضا ...ً ولكن دون أن يعني ذلك الوقوع في مجافاة العلم وفصم العرى عن هواجسه وإنجازاته .. لأن الفلسفة الغريبة عن العلم لا يمكنها المساهمة الحقيقية في واقع الأنسان وهذا لايعني قط أ ن تكون الفلسفة مجرد سلة لجمع المعلومات ، أو تجميعا لحقائق يمكن أن تحشو بواسطتها العقول
والأدمغة..إنما باعتبارها المقوم الأساسي في الإنماء ألا نساني العقلي والفكري .
والحق أن هذه الرؤية العامة التي حررناها آنفاً تبدي تحفظاً هائلاً على كثير مما هو مطروح علينا كخطاب فلسفي مما يراد له أن يكون كذلك وخاصة هذا الخطاب الذي يعاني من تحكم التصورات القبلية المفترضة سلفاً ، كقاعدة مطلقة للرؤى التاريخية والثقافية والإنسانية .....لا كمعطيات قابلة للحوار المفتوح مع المحكات المعيوشة أو النظر العلمي والعقلي بل كمعطيات جاهزة ،أو كجوهر فرد يتماهى مع المطلق ،ويباشر مهامه عوضاً عنه .
وهذا ولاشك من أخطر النقائض التي ستحول بيننا وبين إضفاء أية مصداقية فلسفية على هذا الخطاب . وأما الكثير من النتاجات العقلية والنظرية التي يراد لها اليوم أن تسامي الخطاب الفلسفي فهي لاتعدو أن تكون مزيجاً من المعطيات التاريخية المسقطة بشكل شبه نمطي يحجز الوعي داخله مثقلاً في أحشائه بقوائم طويلة وهائلة من المحظورات الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية ،ليقصر هذه الحركة على مجرد تلمس المقاربة أوالاقتران مع السائد المنجز كما هو حاضر لا كما يجب أن يحضر، ولذا فأننا نعتبر مثل هذا الخطاب الذي تمت ولادته وسط غيتو الممنوعات لن يولّد إلا وعياً كسيحاً متخلفاً يحمل في طيا ته بذور خطره وعطالته .


1999 ليبيا

ليست هناك تعليقات: