31‏/08‏/2008

أضواء على منظور الحركة بالأصالة

( الحركة الشرعية وفقاً لمقتضي التوحيد )

" مدخل "
إن مفهوماً بسيطاً عن الإيمان بحقيقة ما، يقتضي الانقياد والاستسلام لهذه الحقيقة، بيد أن ذلك يضعنا أمام تساؤل ملح، مفاده:
بأي صور الامتثال ينبغي أن ننقاد إليها؟
ويزداد ضغط هذا التساؤل إذا أدرجنا في الاعتبار طبيعة أطراف هذه العلاقة الإيمانية، ونحن هنا إزاء الإيمان بحقيقة التوحيد.
فالانقياد سيكون لله عز وجل.
فإذا علمنا أن الطرف المنقاد إليه، وهو الله عز وجل الذي يتصف بالقدرة والاستغناء والكمال المطلق، وأن الطرف المنقاد هو العبد المتصف أصلاً بالعجز والنقص والاحتياج المطلق، ولذا كانت هذه العلاقة حاسمة متماسكة غير قابلة للانفكاك أو الزيغان أو المراوغة، بغية الإفلات من هيمنتها الساحقة.
وبالتالي فهي غير قابلة للتأجيل ، أو التغاضي ، أو الإهمال بحال .
إذ الخلائق جميعاً صامدة إليه سبحانه في حوائجها، وليس لها وجهة سواه، فالكل مفتقر إليه، ساع في رضاه، وهو سبحانه محتجب عن جميع خلقه، ومهيمن عليهم بإطلاق، فلا يحيط أحد بشيء من علمه، إلا بإذنه ورضاه، ولا يستقل أحد من خلقه بشيء في ملكه إلا بإذنه ورضاه كذلك، وإن قولاً بخلاف ذلك هو تسور على حمى الرب الممتنع عن خلقه، ومراغمة لإرادته المطلقة، الأمر الذي يلزم منه نسبة النقص لله عز وجل، ويلزم في تقدير هذا المفهوم ما يلي:
1- إن جميع المخلوقات تحت قهره وسلطانه تعالى، فلا يعزب عن علمه شيء ولا يخرج أحد من خلقه عن هيمنته المطلقة.
2- إن الخلق لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فلا ينكشف لأحد علم شيء إلا بإذنه.
3- وليس لأحد من خلقه أن يمتلك الشفاعة لغيره من المخاليق، دون إذن الله ورضاه ، لما يلزم من القول بغير ذلك من لوازم فاسدة، كالقول بإمكانية التسور على حمى الذات المتعالية، ومراغمة الحضرة الإلهية، أو القول بالمنازعة في الاختصاص بين العبد وربه ..الخ.
4- وليس لأحد من خلقه أن يتخذ من دونه سبحانه أولياء يشرعون له من الدين ما لم يأذن الله، لأنه ليس لهؤلاء الأولياء أن يطلعوا على شيء من علم الله وينكشف لهم مراده بأن هذا الأمر حلال أم حرام أو هو واجب أو مندوب ....الخ، إلا بإذنه تعالى.
5- إن كل حركة، من فعل أوترك بقصد الامتثال، أو بقصد القربى، تتضمن الادعاء على الله بأن هذه الحركة مما يمتثل بها إليه، أو الادعاء بأن كذا من الأعمال يقرب إلى الله، أو يشفع لنا عنده تعالى، بما يدفع عنا سخطه، ويجلب إلينا نفعه ورضاه،وذلك لأن الامتثال بهذا الوصف،لا يمكن أن يتصور إلا بتخصيص جزء من الأعمال (المقدورة) والجائزة ،من بين نظائرها الجائزة ،ثم الدخول فيها بقصد التقرب بها إلى الله .وذلك يتضمن – ولاشك- ترجيح لهذا الجائز المقدور، وجعله قربة عند الله بالفعل، بعد أن كان جائزاً فقط،من جملة الجوائز.
إذن فقد حاز هذا الجائز على صفة إضافية ميزته عن بقية نظائره من الجوائز، وذلك أنه متقرب به إلى الله، ومن هنا فإن الحركة الشرعية في الأقوال والأفعال والأحوال، صارت ادعاءً يتضمن تبرئة الذمة عند الله، ولا يمكن اعتبار أن هذا الفعل المعين أو القول أو المعتقد مقرباً لله، إلا أن يكون يحبه الله ويرضاه، إذ لا يصح التقرب إليه بغير ما يحب ويرضى، ولا ينحسم علم كون هذا الفعل أو القول أو المعتقد، هو مما يحبه ويرضاه إلا بإذن منه تعالى، وإلا كان ادعاءً بلا برهان وهذا مناقض للتوحيد!
فإذا تبين لنا أن هذا الاحتجاب المطلق لعلم الله، والمتعلق بمراده الشرعي أو ما يحبه ويرضاه، لا ينكشف إلا بإذن منه تعالى، وهو وحده سبحانه من يمنحنا إمكانية التعرف عليه، تأسست لدينا جميع المعطيات التي تدعونا إلى البحث في هذا الإذن وما يتعلق به، وهو محور موضوعنا في هذه الدراسة، لكي نلتمس من خلالها مدار "الحركة الشرعية" بالضبط، والموجبات التي تأسست عليها المآخذ في هذه الحركة لكي تنضبط وتتحدد، وفقاً لمقتضى التوحيد.
والغرض أن يكون مفهوم التوحيد هو العامل الحاسم في إنشاء هذه الحركة للاعتبارات التي أسلفناها.
ولذا كان لا بد من تقرير مفهوم "الإذن"، وتحديد ضوابطه وشروطه ، بالنظر إلى أنه المنطلق النظري الذي يمثل نقطة البدء، لأي أفعال أو تروك أو تقريرات تتعلق بما يحبه الله ويرضاه، وفقاً لحقيقة التوحيد، الأمر الذي يلزم منه وفقاً لهذه الحقيقة، الانقطاع المطلق عن كل أفعال أوتروك -من هذا النوع- ريثما ينحسم الإذن الشرعي فيها.
وبذا، قد فرغنا من التمهيد الأولي لطرح "منظور الحركة بالأصالة"، ويمكننا الآن أن نتكلم عما قصدناه بشكل مفصل، وذلك عن طريق العمل على ثلاثة مباحث رئيسة، تتمثل في التالي:

1- منهجية الجوائز.
2- شرك الإذن .
3- مآخذ دليل الإذن.

المبحث الأول:
(منهجية الجوائز)

علمنا مما سبق، أن التعرف على مراد الله، لا ينكشف لنا إلا عند إذنه بذلك إذ إن علم هذا المراد لا ينتزع انتزاعاً، ولا يتم مراغمة ومساماة، بل خضوعاً وانقهاراً لإرادته وحكمته، متى شاء وكيفما شاء، وهذا مقتضى امتناعه المطلق عن جميع خلقه.
بيد أن العلم بمراد الله، قد ينكشف لعقل الإنسان، كسائر الحقائق التي يتناولها الإنسان من كونه عاقلاً موحداً، وقد ينحجب عنه مطلقاً إلا بدليل خبري يقرر له مراده وما يحبه ويرضاه.
ومن خلال منهجية الجوائز الشرعية -التي سيأتي بيانها- سيتحدد لنا مجال النظر التوحيدي في الشريعة، وذلك ببيان طبيعة العلاقة بينهما، من هذه الزاوية محل البحث ، ثم لنعلم طبيعة الشريعة التي أنزلت على رسولنا صلى الله عليه وسلم.. وما هو الواجب تجاهها من حيث هي معلوم يُدرك؟

التوحيد وعلاقته بالشريعة
لكي نتمكن من جس هذه العلاقة وتحسسها فعلاً، ينبغي أن نفرق بين مفهوم الفصل بين الشريعة والتوحيد، ومفهوم التمييز بينهما، إذ أننا نقول بالأخير، بالنظر إلى أن مفهوم الفصل يقضي بانقطاع العلاقة بين التوحيد والشريعة، ويؤكد افتراق كل منهما عن الآخر وانبتاته، وهذا سيعود على أصل التوحيد ذاته بالنقض والإبطال!
لأن الأخذ في المنع والمشروعية، إنما يستمد بإذن من الشارع وحده سبحانه، وهذا هو ما يوجبه "حد التوحيد".
بيد أن ما يهمنا من هذا التمييز -وفقاً لسياق موضوعنا- هو علاقة التوحيد والشريعة كليهما بأحكام العقل الثلاثة المشهورة لدينا، ونعنى بذلك:
الوجوب، والاستحالة، والجواز.
فنقول:
إن علم التوحيد يتعلق بما يوجبه العقل لله، وبما يحيله عنه.
أي ما كان في نفيه إثبات نقص لله، فإن العقل التوحيدي يحكم بوجوبه له، وما كان في إثباته إثبات نقص لله، فإنه يحكم باستحالته عنه عز وجل.
ويبقى ما يجوزه العقل نابعاً من انتفاء هذين الحكمين "الاستحالة، والوجوب" وهو ما يعرف عند بعض المتكلمين بمتعلق الأفعال.
ونحن وإن لم نقر بانحصار تعلق الأفعال الإلهية بأحكام الجواز فقط، غير أننا قصدنا أن نخرج هذا المنحى إلى اعتبار الغالب بالنسبة إلى نظر العقل، ويبقى النظر إلى الشريعة من خلال هذا المنظور منحصراً فيما يجوزه العقل إذا استثنينا بعض الخلافيات التي لا نستحسن أن نتطرق إلى ما أثير حولها من جدال، لعدم حاجتنا إليه هنا.
ويترتب على هذا التفريق المشار إليه ما يلي:
1- إن تعلق الشريعة بحكم الجوائز، يجعل نزول الشريعة على وفق هذه الجوائز، خاضعاً للإرادة الإلهية، في ترجيح أحدها أو استبعاد الأخرى، وفقاً لمشيئة الله، وحكمته وقدرته على التصرف.
2- كما يترتب أيضاً أمر مهم آخر في موضوعنا، هو أن اعتبار كون الشريعة كذلك، أي متعلق الجوائز، يجعلها خارج حتمية العقل من حيث كونه عقلاً، إذ إن حتمية العقل لا تنحسم إلا في الواجب أو المستحيل، وهذه الأحكام هي متعلق التوحيد كما أسلفنا القول، خلافاً للأصل في الشريعة.
والقول بخلاف ذلك، سينجم عنه حتماً القول بجواز هيمنة العقل البشري وسيطرته -من حيث كونه عقلاً محضاً- على الجوائز الشرعية المنحسمة في علم الله.
ولاشك بأن قولاً كهذا، يلزم عنه ضرورة القول بالسيطرة على مدارات الحكمة والمشيئة والتصرف الخاصة بالمشرع لهذه الشريعة سبحانه، وهذا خارم لحد التوحيد!
وأما إذا افترضنا خلاف ذلك، وهو لا شك ببطلانه، فلم يبق أمام العقل فيما يخص الشريعة إلا مساحتان كما يلي:
أ): المساحة التي يوفرها له العلم بالتوحيد من جهة ما يحيله العقل وفقاً لفهمه للتوحيد أو ما يوجبه، "وهو محل نظر هنا"، وهذه المساحة يتكفل بها، الفهم الصحيح للتوحيد، فيحقق له بهذا الفهم أن يحيل على الله حيث محل الاستحالة ، أو يوجب له حيث محل الوجوب بالضبط.
ب): المساحة التي يوفرها له الاطلاع على فهم الجوائز، المتمثلة في إفراديات الشريعة، وهذه المساحة يتكفل بها الفهم والاطلاع الصحيح على الشريعة ، وأما من غير هذه المسارب ، فهو العمه والعدم، ولا شيء آخر البتة غير محاولة التسور على الامتناع المطلق للذات المتعالية.
ولهذا يتعين علينا عند تناول مسائل الشريعة، أن نأخذ في الاعتبار هذا التمييز الآنف الذكر، من حيث تعلق الاستحالة والوجوب بعلم التوحيد رأساً، خلافاً للجواز الذي يتعلق بأحكام الشريعة "أصالة".
ولهذا نفترض في المكلف الجاهل بالشريعة أن لا يجوّز لنفسه، كموحد، الإقدام على أعمال أو أقوال أو غير ذلك، أو الإحجام عنها، بنية التعبد أو التقرب إلى الله، ما لم ينحسم له فيها دليل منه سبحانه، وإلا كان تسوراً على حمى الرب المتعالي، وهو ولاشك، خارم لحد التوحيد.
وهذا لا يلغي احتمال أن يصيب المكلف المعلوم الشرعي من جهة التخمين، أو المصادفة العرضية، بدون انتهاض أسبابه الموجبة، من علم وتحقق، بيد أن ذلك سيبقى مجرد محاولة عشوائية، فاسدة المنطلق، غير مقررة شرعاً.
لأن العبرة في تقرير الشريعة ليس في إصابة الحكم المعين، أو موافقته لمراد الله، كما هو في أصل الخطاب وحسب، إنما العامل الحاسم في ذلك هو الخضوع بهذا الحكم لله عز وجل، والدينونة له، وهذا لا يتحقق أبداً دون اعتبار لمعنى انحصار المنع والمشروعية فيه تعالى وحده، دون سواه، والمستلزم ضرورة لوحدانية التلقي ،الأمر الذي لا يجسده تعامل المكلف مع الأحكام الإلهية بالظن والتخمين، دون دليل كاف من الشريعة، يتيح له ذلك أو يخوله للعمل به.

كيفية معرفة الجوائز الشرعية
في هذا الصدد، يمكننا أن نبين الأمر على هيئة نقاط مختصرة كالتالي:
1- إن الأحكام الشرعية هي مجموعة جوائز مرجحة، شاءت إرادة الله وحكمته أن يتعبدنا بها، ويرتضيها لنا شرعاً.
2- إن الجوائز لا دليل فيها من نفسها، بحيث تكون مرجحة، بمجرد كونها جوائز بلا مزيد.
3- إنما يأتي ترجيحها بسبب ما تتصف به وفقاً لموضوعها المعين، وباعتبار مرجحها سبحانه وتعالى..
4- إذ إنه من الاستحالة العقلية أن يحيط المكلف بجميع الجوائز التي اختارها الله كمناط للتعبد والتقرب بها إليه سبحانه شرعاً إلا بعد ورود الشريعة، لأنها وحدها التي يمكن أن يستقى منها مراد الشارع.
5- وإلا كان ترجيحاً لجائز، دون نظائره، بلا دليل، وهذا ادعاء باطل, لما يلزم منه من القول بالإحاطة بالله عز وجل، الممتنع عن خلقه، وهذا "مناقض للتوحيد".
أي أنه من الممتنع عقلاً جواز سيطرة العبد على مدارات الحكمة في التشريع، التي رتب الشارع الأحكام على وفقها، تبعاً لمشيئته وحكمته المطلقة،..لما يلزم من ذلك من مقتضيات تكر على التوحيد بالنقض والإبطال.
إذن، فمن المستحيل عقلاً، احتواء الإنسان على الجوائز الشرعية، والإحاطة بها، دون إخبار من الله .. وبالتالي فإنه لا يصح له ادعاء معرفتها، إلا بعد ورود النص، وهو وحده من يخبرنا عن هذه الجوائز، أيها يحبها الله ويرضاها، وأيها التي يبغضها ويأباها.. وليس التشهي، أو الذوق، أو المزاج، أو الإلف والعادة..وما هو على شاكلتها.

الجائز وغير الجائز عقلاً من حيث النسبة نموذجاً
علمنا أن مساحات التوحيد والشريعة تنضبط وفقاً لأحكام العقل الثلاثة: الوجوب، والاستحالة، والجواز.
ونحن هنا سنحدد تفاصيل مهمة، تتعلق بهذه النسب العقلية فنقول:
1- النسبة العقلية المتعين تحصيلها عندما يتعلق الأمر بإثبات التفرد في الوجود المطلق والربوبية والاستحقاق والكمال هي القطع.
2- كما أن النسبة العقلية المتعين تحصيلها عندما يتعلق الأمر بإثبات الولاء لله والحكم والعبادة له وحده هي القطع أيضاً.
3- وكذلك، فإن النسبة العقلية المتعين تحصيلها هي القطع، عندما يتعلق الأمر بإثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته وعصمته، وما يستحقه من الولاء والطاعة.
4- و إثبات الرسالة كونها من عند الله، وما تستوجبه من الاستعداد والقبول للدخول تحت مقتضاها، والتصديق بكل ما جاءت به.
5- تحديد موقفه من الشريعة بناء على معرفة هل هو داخل تحت خطابها أم لا، بطريقة قطعية، وهو ما يوجبه عليه "حد المفهوم" ضرورة.
6- تحديد "وسائط التلقي" التي لها الكفاية والكفاءة، لإنجاز ما أنيط بها بالفعل. ولما كان هذا الموقف لا بد أن ينحسم قطعاً، كان من الضروري انتهاج وسائط تحقق ذلك ...وهذه الوسائط نوعان:
وسائط مفيدة للقطع، والأخرى مفيدة للظن.
7 ـ أما النسبة العقلية الواجب تحصيلها، لأجل تبرئة الذمة، أو لأجل صحة العمل، فهذا مما يلتحق به التفصيل.
حيث يجوز -عقلاً- أن يشترط الشارع تحصيل نسبة القطع بصحة صدور هذا التكليف أو ذاك بعينه، قبل الإقدام على العمل، كما أنه من الجائز أن يكتفي بإيقاعه على سبيل الظن..أو يقصره على ظروف وحالات، حسب متعلقه.

ويبقى لنا تحديد النسب الراجحة في هذه المواضيع، وحسب:
أما مقدار النسبة الصالحة، لإثبات التوحيد و الرسول، والرسالة..الخ من الأمور التي تعرضنا لها بالبيان، هو القطع.
وأي من النسب الأخرى، يعد ناقضاً للتوحيد.
وأما ما كان من وسائط التلقي عائداً إلى القطع مثل التواتر والمعاينة المباشرة المفيدة للقطع، فإن اعتبارها لا يعد من الجوائز.
أما غير ذلك من الوسائط المفيدة للظن، ابتداءً، كخبر الآحاد، فإنها مفتقرة إلى دليل قطعي لاعتبارها.
والتلقي من خلال هذه الوسائط الظنية، دون انحسام هذا الدليل، يعد ناقضاً للتوحيد.
وأما فيما يتعلق بالنسبة المبرئة للذمة والصالحة للعمل، أو الواجبة، فإن القطع في ذلك ليس محلا للجوائز، بل هو مقتضي التوحيد.
وأما غير ذلك من النسب، كالظن أو الوهم أو التردد، فإنه من الجائز أن ترد الشريعة باعتبارها كنسبة صالحة للعمل، ولكن من المهم والواجب -قبل ذلك- هو الانحسام القطعي لدليل الاعتبار، وإلا كان امتثالا لله بما لم يأذن به الله، وهذا هو ما يوجبه "حد المفهوم".

المبحث الثاني:
(شرك الإذن)

نعني به ذاك الوصف الذي يستلزمه قيام العبد بالتقرب إلى الله، بأفعال أو أقوال أو أحوال ..الخ ، دون دليل معتبر شرعاً، مما يقود إلى القول بأن هذا العبد قد تقرب إلى الله، دون إذن منه سبحانه، وبالتالي، فقد وقع في "شرك الإذن".
إذ إن الخروج عن مقتضى الإذنية يعد نقضاً للتوحيد، بالنظر إلى أنه يتضمن ادعاءً على الله، دون إذنه.
ولكي نتمكن من معرفة هذا النوع من الشرك، سوف نقوم بتناول هذه المسألة على ثلاثة أصعدة كالتالي:
الصعيد الأول: الشرك الناتج من عدم طلب الإذن أصلاً.
الصعيد الثاني: الشرك الناتج من عدم قيام شروط الإذن، "من حيث هو".
الصعيد الثالث: الشرك الناتج من عدم قيام دليل الإذن.

الأول: الشرك الناتج من عدم طلب الإذن من الله أصلاً:
ويمكننا أن نتصور دخول الشرك في هذه الحالة، بالنظر إلى ما يتضمنه عدم طلب الإذن من ادعاء باستقلال العبد بإرادة وقدرة تمكنه من التصرف، دون افتقاره لإذن الله وتخويله ورضاه.
إذ إن أي ظن أو توهم بأن ذاتاً ما -غير الله- أنها تمتلك الحق في التصرف والمشيئة، أو الاستقلال بالحكمة في التدبير، أو أنه يمكنها أن تمتنع امتناعا ذاتياً عن الخضوع والانقهار تحت سلطان الله المطلق، فإن ذلك يعنى نسبة العجز والنقص لله عز وجل، حيث إن مخلوقاً من مخلوقاته أمكنه أن يعاجزه، أو يمتنع عليه، أو يستقل عنه، وهذا مناقض للتوحيد مناقضة صريحة.
إذن، فالقول بانعدام الإذن أصلاً، في أي نوع من أنواع التصرف، مهما دق أوجل، بحيث يستقل المخلوق بنفسه في ذلك، قول مناقض للتوحيد، لما فيه من طعن في الوحدانية المطلقة، في الخلق والتدبير والكمال.

الثاني: الشرك الناتج من الخلل في الشرط المبدئي لانتهاض الإذن.
إن الإذن الإلهي، من حيث كونه كذلك، لا يمكن لأحد أن يدعي صحة انتهاضه ابتداءً، إلا عندما لا يتعارض أو يشكل أو يشاغب على حقيقة اتصاف الله تعالى بكل كمال، وتنزهه عن كل عيب و نقص.
وإذا ترتب على القول بالإذن ما يستلزم الطعن في كماله الإلهي سبحانه، فهو مرفوض وباطل من حيث المبدأ، ولا ينظر فيه إلى الدليل، أو المستند المقدم، وإن تم الادعاء بأن هذا الإذن من الله.
وهذا ما يوجبه "حد التوحيد" دون الحاجة إلى السؤال أو التحقق عن تفاصيل هذا الإذن أو طبيعة الاعتبارات التي أدت إلى قيامه وانتهاضه.
أما إذا سلم الإذن من مصاحبة ما يوجب نفياً أو تنقيصاً من الله عز وجل، صار الأمر متعلقاً بالجوائز، وانحصر شأننا- بعد ذلك- في التحقق، والتحري، والنظر إلى دليل الإذن، لبحث سلامته وكفايته من عدمها.
ولتقريب الصورة سوف نمثل على ذلك بشرك "الشفاعة".
ويمكننا أن نتصور دخول الشرك في هذه الحالة بالنظر إلى طبيعة الادعاء القاضية -ضمناً- بإلزام الله تعالى ببعض التصرفات أو الأحوال، وما يستلزمه هذا الاتجاه من انتقاص لمشيئة الله المطلقة.
حيث يتم اتخاذ بعض الشركاء شفعاء يتقربون بهم إلى الله زلفى، على اعتبار ما لهم من مكانة سامية، وما يحظون به من شرف وقرب عند الله عز وجل.
ولا شك بأنه من الجائز-مبدئياً- بحكم التوحيد، القول بوجود بعض المخاليق، الذين يتصرفون في أمور كونية من هذا النوع تبعاً لإرادة الله وقدرته وبتخويل منه.
إذ ليس من المستحيل، وفقاً لمطلق القدرة والمشيئة الإلهية، أن يجعل لأحد من مخلوقاته هذا المعنى، ولو على وجه الابتلاء لعباده، فكذلك فإن الشفاعة يمكن أن يتصور أن يمنحها الله لأحد من خلقه على وجه التكريم في الدنيا والآخرة، فيشفع من يشاء في من يشاء، فليس لأحد من مخلوقاته أن يشفع لأحد إلا بإذنه.
ولكن مكمن الشرك ومستقره هنا، هو الظن بأن الله "مضطر" إلى إمضاء شفاعة أحد من مخاليقه بسبب ما يتمتع به هذا المخلوق من عمل صالح، أو ما يقوم به من تصرفات أو أحوال قد قربته إلى الله، بالقدر الذي أوجبت عليه سبحانه أن يشفعه في عباده، لزاماً لا محيدة عنه.
وهذا هو لازم مذهب من يتخذ من دون الله شفعاء، بناء على مجرد ظنه وتخمينه بصلاح هذا العبد أو ذاك وأهليته، كما فعل كفار قريش، مع فقرهم وافتقارهم للإذن الإلهي الذي يخول لهم ذلك، فمن أخبرهم بأن الله قد أذن في اتخاذ هؤلاء زلفى وقربة إلا من واقع ظنهم ذاك؟
فادعاء الإذن غير مسلم ابتداءً، إلا مع افتراض خلوصه ونزاهته من كل ما يمكن أن يطعن في الكمال الإلهي.
ولذا كان على كل متذرع بالإذن، في هذا الموطن، أن لا يقدم بين يديه شفيعاً له عند الله، إلا بأن يثبت لصاحب الحق في الإذن، وهو الله عز وجل، كل ما يليق به من كمال، وينزهه عن كل ما لا يليق به من عيب ونقص، الذي منه ما ذكرناه آنفاً.

والحاصل أن شروط الإذن، "من حيث هي" تتوقف على مدى علاقته بالوجوب والاستحالة اللازمة في حق الله، فالواجب في حق الله إثبات الكمال، كما أن من المستحيل في حق الله العيب والنقص.

الثالث: الشرك الناتج من الخلل في الشروط المستأنفة لدليل الإذن.
إذا صح لنا تحديد شروط الإذن من حيث هي، لم يتبق أمامنا سوى البحث عن شروط الدليل، الذي يخول إنشاء الامتثال الشرعي وهو نوعان:
1- دليل صالح: وهو المعتبر شرعاً.
2- دليل فاسد: وهو غير معتبر شرعاً.
وتجدر الإشارة إلى أن دليل الإذن لا يصح اعتباره، وترتيب العمل الشرعي على وفقه، إلا بأن يكون قطعياً.
لأنه لو لم يكن قطعياً لما صح قولنا بموافقته للمعلوم الإلهي، أو لما هو موجود في أصل الخطاب، إذ لا نسبة عقلية أخرى -غير القطع- يمكنها أن تحقق هذه المطابقة، وبالتالي، كان لا بد من تحقيق نسبة القطع، حتى لا يتطرق الاحتمال إلى كون هذا العمل أو ذاك مما نتقرب به إلى الله، أنه قد لا يحبه ولا يرضاه.
إذ لا يصح القول بأن هذا العمل أو ذاك مما يحبه الله ويرضاه، إلا بدليل قطعي.
وهذا لا يعني عدم جواز أن يأذن الله بقبول الإقدام أو الإحجام عن العمل بمقتضى نسب أخرى غير القطع، كالظن أو الوهم..فيما يخص الجزئيات أو التفاصيل.
بيد أن انحسام ذلك فعلاً، موقوف على ورود الدليل القطعي، الذي يجيز العمل وفق هذه النسب.
وإلا لكان ذلك مناقضاًَ للتوحيد، لما فيه من إقدام على التقرب إلى الله بهذا الجائز، دون إذن منه، ونسبته إليه.
ونخلص مما سبق، إلى أن الشرك، من حيث تعلق الإذن به من عدمه، قسمان:
قسم لا يجوز تعلق الإذن به، وقسم يجوز تعلق الإذن به.

أ- القسم الذي لا يجوز أن يتعلق الإذن به:
وهذا القسم هو ما كان الشرك فيه من جهة ما يلزم من العمل نفسه من اخترام للتوحيد.
أي من جهة ما يلزم من الإقدام أو الإحجام عن القول أو الفعل أو الاعتقاد، من لوازم إثبات النقص لله عز وجل.
فالقول: كالسب والاستهزاء والتحقير له سبحانه وتعالى.
والفعل: كقتل النبي، أو ركل المصحف، أو رميه في موضع النجاسة.
والاعتقاد: كالظن باستحقاق غير الله للعبادة، واعتقاد عدم اتصاف الله بالكمال.
وهذا القسم-بالطبع- ليس مجالا للجوائز، ويستحيل أن تأتي الشريعة بما يدل على الإذن فيه، لأنه لا يليق بجلاله أن يأذن في أمر يلزم منه إثبات النقص لنفسه سبحانه.

أ- القسم الذي يجوز أن يتعلق الإذن به:
وهذا القسم هو ما كان الشرك فيه من جهة ما يلزم من تجاوز دليل الإذن، لا من جهة العمل.
أي أن القول أو الفعل أو الاعتقاد في نفسه، لا يعتبر خارماً للتوحيد، بل هو جائز من الجوائز التي يمكن أن يتعبدنا به الله.
بيد أن تعبدنا بهذا الجائز، متوقف على انحسام الدليل من الله، على صحة العمل بذلك شرعاً.
أي أن العمل في نفسه ليس شركاً، إنما الشرك هو فيما قام به العبد من اقتحام وتجرؤ على حمى الرب، بتقرير أمر وادعاء أنه يحبه ويرضاه، دون أن يعلمه الله بذلك سبحانه، وهذا لا شك يعتبر تنقيصاً لله وخرماً للتوحيد.
فالطواف، والاعتكاف، وتقبيل الحجر الأسود، والصلاة بالهيئة المعينة، أو الوضوء بالطريقة المعينة، أو الصوم لمدة شهر في السنة، أو الحج إلى بيت الله الحرام، أو الطواف والاعتكاف عند موضع معين، أو التوسل والطلب من شيء معين...الخ
هذه الجوائز-جميعاً- موقوفة على الدليل، الذي يشرعها لنا ديناً، ليصح الامتثال بها إلى الله.
سواء كان الأمر متعلق بالصلاة بهيئة معينة، أو بالصوم في اليوم، أو الشهر المعين ، أو بالذكر في الوقت المعين، أو بالطواف على الشيء المعين، أو تعلق بالتمسح بالقبر المعين، والتبرك به، أو تقبيل آثار الصالحين، وكل ضروب الامتثال الشرعية الأخرى، لا تختلف جميعها، في كونها تفتقر إلى دليل الإذن من الله.
وهذا هو الموطن الذي يعد مجالاً لتنزل الشريعة، من حيث هي جملة من الجوائز المرجحة من قبل الله سبحانه، صاحب التدبير والأمر.
فإن دخل الشرك في مثل هذه الأعمال، فهو من جهة تجاوز الإذن الإلهي.
إذ لا يصح القول بأن براءة ذمة المكلف، يمكن أن تتم، دون احترام الإذن الإلهي، وتجاوز منطقة المنع إلى المشروعية..عن طريق انحسام الدليل والبرهان الكافي.

المبحث الثالث:
(مآخذ الدليل)

الإذن:
لقد سبق أن أكدنا على إن إنشاء أي حركة، بنية التقرب الله، ينبغي أن تكون تحت سلطان الإذن، الأمر الذي يدعونا لتناول المآخذ التي يستمد منها هذا الإذن، باعتبارها مخول الإقدام أو الإحجام.
حيث لا يمكن أن يتعرف المكلف على مراد الله في كل قول أو فعل أو اعتقاد، إلا من خلال هذه المآخذ..التي يشترط فيها أن يطابق محمولها نفس محمول الخطاب، كما هو في نفس الأمر، ليصح اعتباره ونسبته إلى الله، وهذا لا يمكن أن يتحصل إلا عن طريق القطع.
ومن هذا المهيع،كان التحقق من وجود هذه المطابقة، هو الذي سينصب عليه البحث هنا، ويتم ذلك من خلال تحديد الكيفية المحققة لنسبة القطع، من خلال مطابقة العلم في المسألة المعنية لنفس المعلوم الإلهي.
أما غير القطع من النسب، كالظن والتردد والوهم، فإنها مفتقرة إلى دليل لاعتبارها.. ولا ينتهض دليل الاعتبار هو الآخر إلا بالقطع.
وهذا يعني، تحديداً، عدم اعتبار هذه النسب عدا القطع، إلا بعد التأكد من انحسام الدليل على ذلك الاعتبار قطعاً، وإلا لانصرم الأمر إلى مناقضة التوحيد، لما فيها من إيجاب على الله ما لم يوجبه هو سبحانه.
فإذا كان العلم بهذا المراد لا ينحسم إلا بالقطع، في الوقت الذي ينحجب فيه علم الله عنا، ويمتنع امتناعاً مطلقاً، كان لا بد من النظر والبحث عن طبيعة الوسائط التي تمكننا من التعرف على مراده عن طريق القطع، ومن هنا تعين علينا البحث عن مآخذ التعرف على هذا المراد، وذلك من وجوه:
من حيث طريق بلوغه، ومن حيث قطعية هذا الطريق، ومن حيث قطعية المضمون.

1- من حيث طريق البلوغ:
إن احتجاب الله المطلق، بالرغم من حاجة العبد الملحة إليه، كان عاملاً ضرورياً في توجه العبد وتقربه منه بشتى أنوع القربات، من أدعية وصلوات ونذور وذبائح وصدقات وغيرها..لأجل الحصول على رضاه ودفع سخطه.
وحيث علمنا من مجرد "الحد الأدنى من التوحيد"، بأنه لا يجوز للعبد أن يتوجه إليه تعالى، إلا بما يحبه ويرضاه، فسينصب البحث في هذه الجهة على الوسائط المحكمة، التي نستطيع من خلالها بلوغ العلم بما يحبه ويرضاه، أي العلم بمراده منا، وهى لا تعدو أن تكون ثلاث وسائط، كالتالي:
العقل، والخبر، وعلم الباطن.
أولاً: العقل:
لم يعتبر العقل، كواسطة معرفة للمعلوم الإلهي أحياناً، إلا لكونه لازماً لمعرفة التوحيد عقلاً، أو أنه ضرورة لتعقله حين سماعه.
وهذا يعني أن تنحصر فاعليته هنا، فيما يوجبه- كواسطة معرفة- من وجود وتفرد للذات الإلهية، وما يثبته لها من صفات واجبة، أو ينفي عنها من صفات مستحيلة.
"وهنا لسنا في وارد الكلام عن مسألة التحسين والتقبيح العقليين".
ثانياً الخبر:
وينحصر مورد الخبر- غالباً- في المساحة المتعلقة بالجوائز، ومن هذا الموطن بالذات يتحصل لنا العلم بمراده تعالى.
فإذا انحسم لدينا بأن هذا الجائز أو ذاك، هو مما يحبه الله ويرضاه قطعاً، عن طريق الخبر، كان لا بد من اعتباره كذلك، أي اعتباره مما يحبه الله ويرضاه.
ثالثاً: الباطن:
كالأحلام، والرؤى، والمنامات، والإلهام ..الخ .
فالباطن بكل أنواعه وتفرعاته- من حيث المبدأ- لا إشكال فيه.
إذ إنه من الجائز أن يأتي من الشارع ما يدل على اعتباره شرعاً، غير أن ذلك موقوف على ورود الدليل القطعي، لإثبات حجيته واعتباره.. وأما قبل ذلك فلا..
رابعاً: المعاينة:
وهي تحدد حسب موضوعها، وظروفها، وأدواتها...من حيث القطعية والظنية.

2- من حيث قطعية الطريق:
إذن فقد تحقق لدينا أن وسائط التلقي تنحصر في طرق أربعة وهى:
العقل، والخبر، والمعاينة، وعلم الباطن.
إلا أن النظر إلى هذه الوسائط، من جهة كونها تفيد علما قطعيا أم لا؟ يرشح لنا التالي:
أ- فأما العقل: فإنه ما كان يلزم الوجوب والاستحالة، فإنه يعتبر علماً قطعياً.
ب- وأما الخبر: فهو حسب تصنيفه في العادة من حيث إفادته للقطع أو الظن، فأما ما يفيد القطع فهو معتبر، دون الحاجة إلى البحث عن دليل، خلافاً لما يفيد الظن، فهو يفتقر إلى دليل لاعتباره، شريطة أن يكون هذا الاعتبار قطعياً.
ج- وأما المعاينة: فإن كانت "منضبطة"، فإنها تفيد علما قطعياً، وإلا فلا.
د- وأما الباطن: فهو ظني في أصله، بيد أنه يفتقر إلى دليل قطعي لاعتباره، ابتداء.

3- من حيث قطعية المضمون:
ونعنى به المعلوم الذي تم التحصل عليه، من خلال هذه الطريق أو ذاك، وهو بذلك تابع لقطعيتها من عدمها، وهي كالتالي:
أ- طريق العقل: فإن محمول هذا الطريق يعتبر قطعي الدلالة، فيما أنيط به من أمور، تم ذكرها آنفاً.
ب- طريق الخبر: فهو -كما قلنا- حسب تصنيفه في العادة، من حيث إفادته للقطع أو الظن.
ج- وأما المعاينة، فلا علاقة لها بهذا المبحث من هذه الجهة.
د- وأما علم الباطن، فهو حسب النظر السابق.

طرق النقل الشرعي:
والحاصل مما سبق نقول: بأن مآخذ الإذن التي تسمح بالتعرف على مراده تعالى، وما يحبه ويرضاه، قد انحصرت في مصدرين، ترجع إليهما المصادر الأخرى هما:
1- العقل: باعتباره الطريق الذي نستمد منه العلم بما يجب ويستحيل على الله تعالى- عقلاً-، وهذا المعلوم الشرعي يتكفل به العلم بحقيقة التوحيد.

2- الخبر الإلهي: باعتباره الطريق الوحيد، الذي يستمد منه العلم بالجوائز الشرعية، إذ لا يمكن اعتبار الأمر حرام أو حلال أو واجب أو مندوب .....الخ، إلا بإخباره تعالى بأن ذلك هو ما شرعه لنا، أما قبل ذلك، سواء قبل مجيء الشريعة - أصلاً- أو قبل فهمها، فإنه لا يصح ولا يجوز-بالنظر إلى التوحيد- أن يقدم الإنسان على التقول على الله بظنه بأن يقول: بأن الله قد حكم بكذا أو كذا.
إذن فإن الأخذ في المنع والمشروعية، في كل قول أو فعل أو اعتقاد، لا بد وأن يتوقف على الدليل القطعي.
وشاءت إرادة الله أن ينزل شريعة منه، يضمن فيها أحكامه التي أرادها وارتضاها.
و لكي يتمكن المكلف من معرفة أحكام الله وتوجيهاته في هذه الشريعة، لا بد له من فهمها، حتى يتسنى له الانضواء تحت مقتضاها، وإلا لما أمكنه أن يفعل ذلك وهو جاهل بها، مغيب عن مضامينها ودلالاتها.
غير أن المكلف، إزاء ذلك، على إحدى حالتين هما:
إما أن يمتلك- بنفسه- أدوات فهم الخطاب الشرعي، وإما أنه لا يمتلك هذه الأدوات.
أ- فأما مع امتلاكه لأدوات فهم الخطاب، فلا إشكال في أن يتعاطى مع هذه الشريعة بدون واسطة مباشرة، وفهمها بتحصيل حكم الله منها بنفسه.
ب- وأما في حالة عدم امتلاكه لهذه الأدوات، فلا يمكنه أن يفهم الخطاب الشرعي، بالتالي لا يستطيع أن يتعرف على حكم الله، ولا أن يتمكن من استظهار الدليل الكافي المخول للعمل، أو الاعتقاد بما يوافق المعلوم الإلهي في نفس الأمر.. وبالتالي فهو أمام أمرين:
الأمر الأول: أن يتعاطى مع الشريعة بنفسه مباشرة، من غير الاعتماد على أدوات فهم الخطاب.
وهذا يعني أن يتعاطى مع الشريعة كيفما اتفق، حسبما ترشحه الصدف والتوهمات والظنون و التخرصات، ولا شك بأن نسبة ذلك إلى الله، واعتباره مما يحبه ويرضاه، خارم للتوحيد قطعاً.
الأمر الثاني: أن يتعاطى مع الشريعة لا بنفسه، بل عن طريق الغير، أي عن طريق التقليد لغيره، وجعله وسيطاً بينه وبين الشريعة، بحيث يعتمد فهم من قلده، واجتهاده ، معتبراً أن ذلك هو حكم الله في حقه.
وهذا الغير لا يعدو أن يكون:
إما عالم واحد، أو مجموعة علماء...معرضين عن بقية الاحتمالات النظرية التفصيلية الأخرى، لعدم فائدتها هنا.
أ- فإن كان قد قلد عالماً، فعلى الرغم من كون هذا العالم يمتلك أدوات فهم الخطاب الشرعي، بيد أن فهمه لا يمكن إلا أن يكون ظنياً "بالنسبة للمكلف"..بالنظر إلى أن العالم، مها كان من العلم والورع، فهو غير معصوم من الخطأ والجهل والزلل، بل وتعمد الباطل، واقتراف الضلالة، وملامسة الزيغ.
ومن هذه الزاوية، بالذات، يتطرق الشك، فيما يخبرنا عنه، هل هو كما قال لنا، أم هو الزيغ والكذب، والضلال.. وفي كل الأحوال، فإن أقصى ما يفيده تقليد هذا العالم، هو غلبة الظن، وهي بحاجة إلى دليل قطعي لاعتبارها، أما قبل ذلك فلا.
ب- فإن كان قد قلد ثلة من العلماء، فسواء كان هؤلاء العلماء قد انعقدوا في إجماع قلة أو كثرة، فإن إجماعهم ذاك لن يفيد أكثر من غلبات الظنون فقط، وبالنظر إلى أن الحكم المستفاد منه هو الظن فقط، فإنه ولا بد أن يكون مفتقراً إلى دليل شرعي قطعي حتى يتم اعتباره شرعاً، والامتثال على وفقه، وكما أنه من الجائز أن يجيز الشارع لنا التقليد، فإنه من الجائز أن يمنعه كذلك، ولذا فإن القول، بجواز التقليد، بحاجة، إلى انحسام الدليل القطعي.
فإذا كان حكم التقليد من الجوائز، خرج أن يكون مجالاً للعقل في إثباته أو نفيه.
ولذا فهو مفتقر إلى الدليل الشرعي لاعتباره، إذ لا يكفينا مجرد سوق المعقولات، في إثبات مشروعيته.
إذن فالمكلف:
* لا يمكنه اعتماد التقليد، الذي لا يفيد إلا غلبة الظن، لأنه مفتقر إلى دليل شرعي قطعي، وإلا لكان خارماً لتوحيده تعالى.
* فإذا كان المكلف يعلم من نفسه قطعاً عدم امتلاكه لأدوات فهم الخطاب الشرعي، فمن أين له أن يعلم بهذا الدليل؟ وإن تحصل عليه فكيف يتسنى له أن يقطع به؟ فهو بالتالي أمام خيارين:
أ- إما أن يأخذه من الشريعة مباشرة وهو لا يمتلك أدوات فهم الخطاب، بالتالي سيكون كل حكم ادعاه، هو مجرد تقول على الله، وهو يعلم من نفسه ذلك، وهذا خارم للتوحيد.
ب- وإما أن يأخذه تقليداً لغيره، سواء كان عالماً أم إجماع قلة أم كثرة، فهذا يعنى أن يكون التقليد دليلاً على التقليد! ولا يصح أن يكون الشيء هو دليل نفسه ومن نفس الجهة.
إذ كيف يصح أن يكون دليلك على تقليد العالم هو العالم نفسه؟
فإذا أردت أن تبحث عن دليل شرعي يجيز لك تقليد العالم، فيقول لك العالم نفسه: إن الشارع قد جوز لك أن تقلدني! فأنت بهذا تقلده في الوقت الذي تبحث فيه عن دليل من الشريعة لتقليده، فيكون دليل تقليدك هو تقليدك له!
وذلك باعتبار أن قوله لم يفدك إلا غلبة الظن، وأنت تبحث عن دليل شرعي لاعتبار غلبة الظن، فكأن الظن صار دليلاً لاعتبار الظن نفسه، وهذا محال.
إذن لا يصح أن يكون دليلك على مشروعية التقليد هو التقليد نفسه، لأنه هو ذاته ما تبحث عن دليل لاعتباره؟
إذن فالتقليد يفيد الظن، وهو مفتقر لدليل قطعي لاعتباره.
* أما إذا لجأت إلى "الإجماع المطلق"، وهو إجماع العلماء بدون مخالف، كمخرج أخير في نظرك، فإن هذا النوع من الإجماع أيضاً مفتقر إلى دليل شرعي لاعتباره، لأن العقل بمفرده لا يقضي بعصمة الجمع "الكثير" من الوقوع في الخطأ.
فالإجماع لا يعنى بالضرورة موافقة الصواب إلا عند ورود الدليل الشرعي القطعي، الذي يخبرنا بأن الأحكام الناتجة من هذا النوع من الإجماعات، هي أحكام موافقة لأصل الخطاب كما هو في نفس الأمر عند الله.
إذن فالإجماع المطلق يفيد الظن ابتداءً، وهو مفتقر لدليل قطعي لاعتباره.
فالمكلف لا يمكنه الرجوع إلى الشريعة بنفسه لاستخراج هذا الدليل، لعدم امتلاكه لأدوات فهم الخطاب، ولا يمكنه أن يعتمد التقليد للحصول على الدليل، لأن التقليد نفسه يفتقر إلى دليل لاعتباره.
كما لا يمكنه الاستدلال بالإجماع على الإجماع!..إذ لا يصح أن يكون الشيء دليل نفسه.
من هنا كان من لا يمتلك أدوات لفهم الخطاب:
* لا يمكنه القطع بحجية الإجماع، من حيث كونه دليلاً قطعياً.
* كما لا يمكنه القطع بشروطه، وأوصافه كونها كذلك.
* وإن تم له القطع بذلك، فلا يمكنه القطع بانطباق هذه الشروط على الإجماع المعين، من كونها قد تحققت منه بالفعل.
* كما لا يمكنه التأكد من انتقال هذا الإجماع بطريق قطعي.
ولهذا، ولكي يصح اعتبار هذا الإجماع إجماعاً قطعياً، لا بد أن يتم التخلص من هذه الشواغب جميعاً، وغيرها وهى كثيرة؟
فهو بالتالي، مفتقر إلى دليل قطعي لاعتباره، وإلا كان خارماً لتوحيده تعالى، فإذا حاول هذا المكلف الرجوع إلى النص بغرض فهم الخطاب، لم تسعفه إمكانياته الذاتية على ذلك، لفقده أدوات فهم الخطاب.
وإذا حاول الرجوع إلى أقوال العالم وتقليدها، احتاج إلى دليل لصحة العمل بهذا التقليد بالنظر إلى أن أقوال العالم لا تفيد إلا الظن، وهي بحاجة إلى دليل قطعي لاعتبارها.
وأخيراً: إذا أراد اللجوء إلى اعتماد الكثرة والسواد الأعظم لم يجد دليلاً على التلازم بين الحق والكثرة، بحيث يكون الصواب والحق مع الكثرة، لأن الجماعة البشرية، وإن كان العقل يحيل تواطؤهم على الكذب في العادة بشروط، بيد أنه لا يحيل وقوعهم في الخطأ، بل يجوز ذلك عليهم، ويؤيده الوقوع.
فكم من الجماعات البشرية، نقطع ببطلان ما هم عليه، بالرغم من كونهم جماعة بشرية كبيرة، كالهندوس مثلاً.
إذاً فإن الجمع الكثير، يجوز أن يكونوا مجتمعين على الحق، كما يجوز أن يكونوا مجتمعين على باطل. فافتقر هذا الجمع إلى دليل قطعي لكي يدل على أن اجتماعهم، إذا تم، فهو على الحق والصواب.. وإلا لما أفاد أكثر من الاستئناس، وهو لا يرقى إلى اليقين والقطع، بأي حال.
فالمكلف، بالتالي، قد غلب على حاله، لأنه لا يمتلك القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب بطريقة قطعية، لعدم امتلاكه لأدوات فهم الخطاب الشرعي، كما لا يصح له التعاطي مع الشريعة بنفسه مباشرة، كما أن تعامله مع الشريعة عن طريق التقليد لا يمكنه من تحصيل نسبة القطع، وبالتالي فهو بحاجة إلى دليل قطعي، يجيز له العمل بمقتضى غلبات الظنون التي لا يصح له العمل بها دون برهان قطعي من الله.
إذن فليس أمام المكلف إلا هذه الخيارات:
أ- أن يتمكن من امتلاك أدوات فهم الخطاب الشرعي قبل التفكير في الإقدام على أي عمل جائز يريد منه الامتثال.
ب- أن يتحصل على دليل قطعي على جواز التقليد، ولكن ليس من التقليد نفسه، وإلا للزم منه ما ذكرناه آنفاً.
فمن أين إذن، يمكنه الحصول على هذا الدليل؟
نحن نعلم بأن المعاينة والتواتر، أو ما هو في حكمه، هي طرق معتبرة ابتداءً، وليست بحاجة إلى دليل مستأنف، لأنها مفيدة للقطع في العادة.
غير أن الآحاد المجرد، أو الآحاد "غير الملتحق بالتواتر" لا يمكن اعتباره ابتداءً، لأنه على خلاف "أصالة التوحيد"، مما يلزم لاعتبارها دليل مستأنف قطعي، إذ من الجائز أن ترد الشريعة باعتبار الطريق الظني.
غير أن الظن في طريق الآحاد ليس من جهة الإسناد فقط، إنما يلتحق بذلك المتن أيضاً، فمنه ما هو ظني الدلالة، وإن كان قطعي الثبوت، وبالتالي فهو مفتقر في فهمه إلى حيازة أدوات فهم الخطاب..وكذلك القطعي عندما يكون ظني الدلالة بالفرض.
والمحصلة هنا تقول: إنه من الجائز عقلاً أن ترد الشريعة بـِ:
أ- اعتبار القطع في الأحكام، مع نسبة هذا الأحكام عينها إلى الله عز وجل..وهذا الاعتبار هنا لا يفتقر إلى دليل شرعي لاعتباره، لأنه تابع لأصالة التوحيد "من حيث هو".
ب- اعتبار الظن أيضاً في الأحكام، وإجراء العمل على وفقه، مع عدم نسبة الأحكام المستمدة منه إلى الله، إلا من حيث الأصل العام فقط، وهذا الاعتبار في أصله يفتقر إلى دليل شرعي مستأنف، شريطة أن يكون قطعياً من كل وجه. واعتماد هذا الظن كنسبة معتبرة، دون انحسام هذا الدليل، يعتبر خرماً للتوحيد.

نقل التواتر:
فإذا انحشر المكلف بين:
أ- أن يمتلك أدوات فهم الخطاب.
ب- وبين أن يقلد، على الرغم من إفادة التقليد للظن وافتقاره إلى الدليل الشرعي القطعي الذي يجيز له العمل بمقتضى الظنون المستفادة من هذا التقليد.
ج- وبين التوقف عن العمل، حتى تحصيله لما يمكنه من العمل شرعاً.
د- أو أن يتجاوز الاذن الإلهي، ويقدم على محاول التقرب و العمل دون دليل منه سبحانه.
فسيضطر إلى اعتماد طريق التواتر والاكتفاء بها، بالنظر إلى:
- أن التواتر يفيده القطع في العادة.
- وهو لا يفتقر، في قبوله، إلى ضرورة امتلاك أدوات الخطاب، ولا سلوك سبيل التقليد.
- كما أنه طريق عادي، يمكن للمكلف أن يتعامل معه مباشرة بلا إشكال وهو من صميم عادته.
ولكن في هذا نظر، يمنع من المسايرة والقبول التام دون ترسيم بعض الحدود، لأن هذه الطريق مما يلتحق بها بعض الشواغب في العادة، وهي شواغب مانعة من إمكانية القطع بمحمولها دون طردها.
وذلك لأن التواتر هو عبارة عن نقل جمع من الناس، يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، عادة، عن مثلهم.
أي أن هذا التواتر هو سلسة من الطبقات، كل طبقة تنقل إلى التي تليها نفس ما شهدته، أو سمعته، مما يلزم أن تتوفر نفس شروط التواتر في كل طبقة من هذه الطبقات، وأي خلل في هذه الشروط، ولو كان ذلك في طبقة واحدة، صارت النتيجة النهائية للتواتر ظنية لا قطعية، فافتقرت بدورها إلى دليل قطعي لاعتبارها.
ويمكن تلخيص هذه الشروط، التي ينبغي توفرها في كل الطبقات، في الأمور التالية:
1 ـ السلامة من الدوران:
ونعني بالدوران هو انتقال الخبر من واحد، أو اثنين، أو جمع لا يحيل العقل تواطؤهم على الكذب إلى آخر، أو آخرين، ومنهم إلى غيرهم، حتى يعود الخبر إلى مصادره الأولى من طرق أخرى، كانت قد سمعته من ذات المصدر، وهكذا يدور الخبر وقد نقله بعضهم من بعض في نفس الطبقة، حتى صاروا يظنون أنهم قد نقلوه عن الجمع الكثير، مشكلين بذلك طبقة "وهمية"، قوامها الدوران، كنافورة الماء، فينتشر بينهم بطريق الشيوع، حتى إذا أدوا هذا الخبر إلى الطبقة التي تليهم ذهب ظنهم بأن ما سمعوه هو نقل تواتر، في حين أنهم تلقوه عن طريق واحد أو اثنين أو عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم انتشر بينهم.
إذن لا بد من التأكد من أن جمع التواتر كان حاضراً في كل الطبقات، لا مجرد الشيوع المبني على خدعة الدوران.
2 ـ السلامة من الصفة:
ونعني بالصفة، تلك الأسباب والدواعي التي يمكن أن تدفع مجموعة بشرية ما، إلى الاتفاق والتواطؤ على موضوع أو موقف معين، ومن نماذج هذه المجموعات البشرية ما يلي:
أ- أصحاب مذهب واحد، كأن يكونوا جميعاً من أهل السنة.
ب- أصحاب خدمة أو مهنة واحدة، كأن يكونوا بحارة أو حدادين أو مهندسين...الخ.
ج- من قبيلة واحدة، يجمعهم شيخ واحد..أو من حزب واحد، أو دائرة واحدة يخضعون لرئيس وقيادة واحدة.
هـ- من جماعة واحدة، يخضعون لرئيس واحد، كأن يكونوا جنداً تحت إمرة قائد واحد...الخ من الجماعات التي تتحقق فيها هذه الصفة.
إذن لا بد من التأكد من ضمانة عدم اتحاد الصفة في الجماعة البشرية الناقلة.
3- السلامة من التغرب:
وذلك بأن تكون أحد هذه الطبقات نقل آحاد، بحيث "يتغرب السند" وينقطع جمع التواتر من هذه الطبقة، ثم يستفيض مرة أخرى، مشكلاً طبقة وهمية مشعرة بالتواتر في جميع طبقات النقل، في حين أن التواتر قد انقطع في طبقة ما، وإن توفر في غيرها.
4- السلامة من العهدة، والمواطأة العرضية:
والتي تحدث عادة بسب الانسياق الذهني اللاواعي وراء مؤثرات الإلف والعادة والقناعات الراسخة..حتى بدون قصد أو نية مبيتة.
5- السلامة من نقل المحسوس غير المنضبط:
فمن هنا، كان من الضروري التحقق من حيازة كل طبقة من طبقات التواتر على هذه الشروط، وإلا لما عد متواتراً، بل صار أمره إلى الظن، وصار النقل ظنياً.
ولكن هل هذا ممكن من الناحية العملية؟
الجواب: لا.
لأنه من المتعذر والمستحيل التقهقر إلى الوراء في محاولة للتأكد من توفر هذه الشروط في كل طبقات التواتر.
مما يعنى أن التحقق من انتفاء الشواغب وفقاً للعادة غير ممكن، وبالتالي بقاء الظن ملتصقاً بالتواتر على كل حال.
6- السلامة من وقوع انخرام العادة:
ويأتي هذا الاحتمال بعد افتراض انتفاء الشواغب وفقاً للعادة.
نقول: وعلى فرض أن ذلك ممكن:
فإن التواتر في ذاته، لا يحقق لنا إلا القطع وفقاً لسنن العوائد القاضية باستحالة أن يتواطأ هذا الجمع على الكذب.
فماذا لو كان ذلك منهم توافقاً، ويكون ذلك من قبيل انخرام العوائد؟ بل إن اتفاقهم على الكذب، هو الأخر، مجرد جائز من الجوائز بحكم احتمالية "انخرام العوائد".
إذن فإن أقصى ما يمكننا بلوغه، عن طريق التواتر، هو "القطع العادي" الذي تمكنا من بلوغ درجته نتيجة لانتظام العادة واطرداها في كل الحالات التي تخضع لهذه العادة المعينة.
ولكن هذه الدرجة من القطع لا يسعها أن تدفع الاحتمال النظري بانخرام العوائد مطلقاً، لأن العوائد ليست إلا شيئاً من الوجود الذي خلقه الله على هذه الهيئة من الثبات والانتظام، إلا أن هذا الثبات ليس مستمداً من العادة نفسها، بل من مشيئة الله وحده، التي لو شاءت أن تغير نظامها أو تخرق انتظامها لفعلت، وليس بمقدور العادة أن تمتنع حينها عن تلبية النداء.
إذ ليس شيئاً في الوجود يسعه أن يمتنع على الله، لأنه تابع لمشيئته وإرادته الإلهية المطلقة، التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
إذن فما هي الطريقة التي يمكننا بها طرد هذا الاحتمال، ونحن لا نمتلك إلا الاستحالة العادية؟

ونخلص مما سبق إلى التالي:
1- إن التعامل مع الشريعة مباشرة، يفتقر لأدوات فهم الخطاب الشرعي.
2- إن التعامل مع الشريعة، مع عدم ملكية هذه الأدوات، هو تخرص على الله بالظن، وهو خارم للتوحيد.
3- إن البديل عن فقد هذه الأدوات، هو التقليد بأنواعه، وهو لا يفيد إلا الظن، مما يجعله يفتقر إلى دليل قطعي لاعتباره، والعمل بموجبه، وإلا لانصرم الأمر، إلى خرم التوحيد.
4- إن اعتماد نقل التواتر، كبديل للتقليد، يلزمه:
أ- التحقق من شروط التواتر جميعاً، وهو متعذر بلا شك، وبالتالي فإنه يستحيل علينا القطع بمحموله.
ب- وحتى لو افترضنا انحسام هذه الشروط، فثمة إشكالات أخرى أهمها ما يلي:
1- باعتبار أن التواتر لا ينحسم إلا بتتابعه في كل الطبقات دون انقطاع في أي من هذه الطبقات، بدءاً من نقطة الانطلاق، حتى وصوله إلى نقطة النهاية.
بيد أن دخول الانقطاع في واحدة من هذه الحلقات المتتالية سيؤدي إلى الإطاحة بالقطع، وبالتالي انصرام الأمر إلى "الظن"، وذلك بسبب هذا الانقطاع الذي سيجعل من نقل التواتر ليس سوى خبراً آحاداً وحسب.
2- بالنظر إلى أن كثيراً من الأحكام المنقولة لنا في الكتب توصف بالتواتر، فإنه لا بد من الإشارة، بأن هذا التواتر، المزعوم، حتى لو كان كذلك عند صاحب الكتاب، فإن ذلك لا يجعله متواتراً بالنسبة لقارئ الكتاب، لأنه مجرد إخبار عن صاحب الكتاب وحسب، وهو لا يعدو أن يكون خبراً آحاداً، لا يفيد إلا الظن.
وحتى على فرض انتقاله، عبر مجموعة كتب أخرى، قد شكلت بمجموعها عدداً يوازى جمع التواتر، فلا بد هنا أيضاً من حسم الشواغب المتقدمة جميعها، حتى يتسنى لنا القطع بذلك.
3- وعلاوة على ما تقدم، سنجد أمامنا عقبة كؤود، تتمثل في صعوبة تمييز التواتر عن "عمل الجموع الكثيرة" أو الشيوع، التي ليست بالضرورة نقل تواتر، كعمل الناس في مكان ما، بمذهب معين، جيلاً بعد جيل.
فهم، على كثرتهم، وانتشار العمل بينهم وشيوعه، إلا أنهم لا يشكلون جمعاً متواتراً. مما يسبب الاختلاط بين التواتر وعمل العموم أو عمل الكافة، فيقتضي، بالضرورة، التمييز بينهما.
وهذا التداخل يقدح في اعتبار ما نقل أنه من التواتر، وبالتالي، لا يمكن القطع بمحموله قبل ضبط الحدود وفصل التداخل.
إذن فنقل التواتر لا يفيدنا إلا غلبة الظن قبل حسم هذه الشواغب، فهو بالتالي مفتقر لدليل قطعي، حتى يصح العمل بمقتضاه.
ج- على فرض انحسام كل الشواغب العالقة بالتواتر، فليس بمقدوره أن يحقق لنا ألا القطع العادي، واحتمال انخرام العادة مانع من تحصيل "اليقين العقلي"، المخول للامتثال الشرعي أصالة، ولهذا كان العمل بمقتضاه، قبل انحسام هذا الاحتمال، يعد خارماً للتوحيد.
إذن كيف يمكننا الحصول على دليل اعتبار التقليد؟
وكيف يمكن حسم الشواغب العالقة بالتواتر؟
وكيف يمكن حسم الاحتمال النظري بانخرام العادة؟
وما هو الدليل على ذلك؟



المبحث الرابع
(منظور الحركة بالأصالة)

إن طبيعة العلاقة بين العبد وخالقه، المتسمة بالعجز والاحتياج مطلقاً من جهة العبد، في مقابل ما يتصف به الله من قدرة وكمال واستغناء مطلق، فعلى الرغم من أن هذه الصلة وثيقة ضرورية، لا يملك العبد حيالها فكاكاً، أو تفلتاً بحال، فان الامتناع المطلق لله وانحجابه عن جميع خلقه، لم يمكن العبد من إدراك ما يريده الله منه، بمجرد هذه العلاقة.
ومن هنا، كان اضطرارنا إلى تلافي كل ما يفسد سلامة انقهارنا وخضوعنا إليه، بأن نقف "وقفة توحيدية" عند كل إقدام وإحجام، نريد أن نتعبد به إلى الله عز وجل..وذلك بأن نتوقف للتساؤل قبل أي إقدام أو إحجام: عما إذا كان الله قد أذن لنا بذلك أم لا؟
أي هل هو راض عن هذا الاعتقاد أو القول أو العمل، الذي تقربنا به إليه، أم هو ساخط عليه؟ سواء بسبب إغفاله للإذن، أو شروطه، أو كفاية الدليل الموجب للعمل...الخ.
من أجل ذلك كله، قدمنا بين أيدينا جملة أمور كتمهيد لهذا المنظور، فتناولنا في هذا التمهيد:
1- العلم الأولي:
وهو الذي تؤطره لنا معرفتنا الحقة بالحد الأدنى من التوحيد، ومآخذ الإذن فيه، من خلال ما يوجبه العقل التوحيدي أو ما يحيله على الله.
2- العلم المستأنف:
وهو الذي يؤطره لنا العلم بالجوائز الشرعية، ومآخذ الإذن فيها هو الخبر الإلهي. ومن هذا المنطلق، يمكننا الولوج إلى حصيلة الموضوع فنقول:
الحركة بالأصالة:
ونعنى بها:
*الحركة بالأصل، حتى التبين.
* الحركة بالمعلوم، أو التوقف عند المعلوم، حتى التبين.

لا يهمنا هنا تحليل طبيعة هذه الحركة، بالقدر الذي نود فيه التركيز على ما يعنينا في موضوعنا، فإنه ما من حركة يريد أن يتحركها المرء، إلا ويسبقها مقدمة علمية، لا يمكنه أن ينشئ حركته بدونها، هذا إذا استبعدنا الحركة العشوائية.
وتأتي طبيعة هذه المقدمة العلمية حسب موضوع الحركة، فإذا كانت هذه الحركة شرعية فلا بد وأن تكون مقدماتها شرعية..وأما إن كانت غير ذلك، فبحسبها.
فإذا كانت الحركة، مثلاً، تشييداً لمنزل، كان لا بد وأن تكون المقدمة تختص بعلم الهندسة والبناء، وإن كانت لأجل إجراء عملية جراحية، فلا بد وأن تكون المقدمة تتعلق بالطب وتخصص الجراحة..وهكذا.
وإذا افترضنا انعدام هذه المقدمة أو عدم وجودها، انعدم ما تأسس عليها من حركة مخصوصة، فلو انعدم لدينا العلم بالطب والجراحة، لم يكن ممكناً إجراء عملية جراحية، وكذا لو انعدم لدينا العلم بالكيفية التي يتم بها تشييد المنزل والمواد اللازمة لذلك، لم نستطع القيام بتشييده.
وهذا، بحذافيره، ينطبق على فاقد العلم الشرعي، ولبيان هذه المطابقة سوف نوظف المثال التالي:
إذا دعاك صديق وقال لك: أريد منك الحضور اليوم، لدينا "وكيرة"!
فإنك، بإزاء هذه الدعوة، سوف تحار في طبيعة الموقف المراد اتخاذه، لأنه لا بد من اتخاذ موقف يتوقف عليه القيام بسلوك معين حيال هذه الدعوة، فإذا لم تكن تعلم ما هي "الوكيرة" فإنك لا تدري هل تتوشح سلاحك استعداداً لخوض معركة؟ أو هل تتأهب لنجدة صديقك وتخليصه من موقف ما، أو أن تلبس لباس العمل، أم أنك تتزين وتتأنق، استعداداً لحضور حفل زفاف أو مأدبة غداء، أو غيره من الاحتمالات التي تفرض كل واحدة منها مثلاً مخصوصاً، ويترتب عليه غير ما يترتب على الآخر.
أما إذا علمنا أن كلمة "وكيرة" تعني طعاماً يقدم عند إرادة السكنى في بيت جديد من باب التمسك بالعادات والتقاليد في بلد معين أو أقوام معنيين، فإن الموقف الواجب اتخاذه حيال هذه الدعوة واضح ومحدد ولا يحتاج إلا لأفعال وعبارات مخصوصة في مثل هذه المناسبة.
إذن فإن عدم معرفة معنى الكلمة، وما هو المراد منها بالضبط، كان مانعاً من اتخاذ أي من هذه المواقف حيالها، أما بعد العلم بمعناها، أمكن تحديد الموقف المناسب الذي يتعلق بها.
وكذا لو وقع بصرك على آلة غريبة، لم ترها من قبل، كما لا نظير له عندك لتشبهه بها، فإنك لا تستطيع التعرف عليها، ولا أن تحدد طبيعة نظرتك لها، فإذا علمت أنه جهاز لقياس تسرب الإشعاع وأنه يستعمل بالكيفية المعينة، صار بإمكانك تحديد تصورك عنه، وطبيعة النظرة التي ستوليها إياه.
وهذا سارٍ أيضاً على كل سلوك، ومن ضمنه الامتثال الشرعي، بغض النظر عن نوعه وطبيعته، فهو لن يختلف إلا من جهة موضوعه وحسب.
فأنت، مثلاً، لا تستطيع أن تؤدي الصلاة إذا لم يتبين لك كيفية الصلاة، هيئتها وأقوالها، وأفعالها.
وكذلك لا تستطيع أن تخرج الزكاة، دون العلم بأنصبتها ومواقيتها وشروطها.
أو تؤدى الحج، وأنت لا تعلم الجهة المقصود الحج إليها...أو تبرم عقداً، دون العلم بشروطه الشرعية..الخ، وهذا جارٍ في كل الأحكام الشرعية، الاعتقادية، والعملية.
والإقدام على هذه الأعمال، دون العلم بمقدماتها الشرعية، يعتبر باطلاً شرعاً وعادةً.
وهذا يؤكد تعذر القيام بأية حركة قصدية نحو موضوع أو جهة ما...الخ دون تأمين المقدمات الضرورية لهذه الحركة.
إذ إن العقل بطبعه مفتقر إلى المعلوم، كشرط للقيام بوظيفة التعرف والحكم، وغياب هذا المعلوم يشل قدرته على المعرفة والحكم.
وهكذا فإن الامتثال الشرعي يفتقر في إنجازه –كحركة- إلى توافر "المعلوم الشرعي"، الذي على وفقه يتم الامتثال.
لأن عدم وجود هذا المعلوم، سيفقد الحركة التي يراد لها أن تكون شرعية، أهليتها لذلك.
لأنه لا يجوز أن نقول على هذا الفعل أو القول أو الاعتقاد، أو ذاك، أنه صحيح شرعاً، إلا عند موافقته للمعلوم الإلهي، لأن هذه الموافقة هي الضمانة الوحيدة التي تحقق أن يكون الامتثال مأذوناً فيه من الله.
وبذلك، يكون هذا الامتثال قد وقع على وفق ما يحبه الله ويرضاه، ليصح عندئذ اعتباره امتثالاً شرعياً.
ولقد سبق أن علمنا، عند تناول التمهيد، بأن مآخذ الإذن الإلهي ترجع إلى: العقل والخبر.
فالعقل:
يستمد منه العلم من خلال معرفة الله، المتفرد بصفات الكمال، والمنزه من كل النقائص والنقائض والعيوب، إثباتاً ونفياً.
إذن فهو تابع لما يوجبه ويحيله على الله، وهذا هو العلم "الأولي" الحاصل من العقل هنا.
وأما الخبر:
فهو الذي يمدنا بالعلم المتعلق بالجوائز الشرعية التي نتعرف عليها من خلال ما يتضمنه هذا الخبر من محمول شرعي كعلم مستأنف يبين طبيعة الامتثال "الجائز" المراد التقرب به إلى الله.
من هنا تبين لنا جملة من المحددات الشرعية الأولية التي يوجبها حد المفهوم وهي كالتالي:
1- إثبات الوجود والفردانية والكمال، وهذه الأمور "واجبة عقلاً"، ونقيض ذلك "يستحيل عقلاً".
2- ما يلزم من إثبات ذلك من مقتضيات الولاء والحكم والعبادة لله وحده فهذه أيضاً واجبة عقلاً.
3- النبوة: وهي وإن كانت متعلق الجواز ابتداءً، ولكن ما يوجبه العقل في حال قيام ادعاء النبوة لا بد من ظهور علامات معرفة، تميز بها صدق الادعاء من كذبه..أي أن يظهر لنا دلائل التصديق.
فالعلم بذلك عقلي، ولكنه متوقف على قيام الادعاء فعلاً، أما قبل ذلك فلا يسعه أن يوجبه بحد التوحيد وحده.
4- ما يلزم من ذلك من إثبات العصمة لهذا النبي، فيما يخبر به عن الله، وما يستحقه من ولاء وطاعة.. فهذه اللوازم واجبة عقلاً عند الإيمان بالرسول.
5- إثبات الرسالة: وهي وإن كانت متعلق الجواز ابتداءً، بالنظر إلى أنه من الجائز أن يبعث الله نبياً ولا يرسل معه رسالة، ولكن من الواجب عقلاً قبولها التصديق بكل ما جاءت به، أنه من عند الله، والاستعداد للدخول تحت مقتضاها عند انتهاض الدليل عليها.
أما غير الواجب عقلاً، ونعني هنا الجائز.. فإننا نمثل عليه بالتالي:
1- العمومية: وهو وصف يقضي بإنزال الشريعة لغرض أن يتعبد بها إلى الله عموم الناس وسوادهم، دون تخصيص، وبالتالي فما من أحد، إلا وهو مطالب بالدخول تحت مقتضاها.
غير أنه من الجائز أن يرسل الله رسالة إلى بعض الناس دون آخرين، أو أن تكون خاصة بزمان دون آخر، أو بمكان دون غيره ، والواقع يؤيد ذلك، فهذه رسالات جاءت لبعض الأقوام ولم تتعداهم ثم درست، كشأن بعض الرسالات السماوية السابقة.
كما أنه من الجائز أن ينزل من لدنه شريعة لعموم الناس كافة، ولهذا فإن العلم بكون هذا المكلف أو ذاك داخلاً تحت خطاب التكليف بهذه الشريعة "المعينة" لا يتحصل إلا بعد الاطلاع عليها، وهذا تابع لبلوغ الخبر الشرعي.
2- الكيفية المنشئة للدخول تحت مقتضى الشريعة: ونعني بذلك جملة الوسائط المحققة لطلبية الامتثال، وهي نوعان من حيث افتقارها إلى النص الشرعي من عدمه:
أ- وسائط غير مفتقرة إلى نقل: وهى الوسائط المفيدة للقطع، والتي من شأنها أن تتوقف عليها إمكانية التعامل مع النقل، بحيث لو افترضنا عدم اعتبارها لما أمكننا التعاطي، مع النقل أو النص أصلاً.
وهذا النوع من الوسائط، من غير الجائز عقلاً عدم اعتبارها.
وهى واسطة مفيدة للقطع، وبالتالي فما جاء عن طريقها صح اعتباره شرعاً وإنشاء العمل الشرعي على مقتضاه.
ب- وسائط مفتقرة إلى نقل: وهى الوسائط المفيدة للظن، والتي ليس من شأنها أن تتوقف عليها إمكانية التعامل مع النقل، بحيث لو افترضنا عدم اعتبارها لأمكننا تصور التعاطي مع النقل أو النص ابتداءً..أي قبل ورود النص ومعرفة ما يدل عليه.
ولذا، فمن الجائز اعتبارها، كما أنه من الجائز عدم اعتبارها.
وبالتالي فلا بد من انحسام الدليل الشرعي الذي يجيز إنشاء العمل على مقتضاها، ولا ينحسم ذلك إلا بالخبر.


وبهذا أمكننا تحديد المعلوم المؤسس الذي تستند عليه كل حركة شرعية وقد انحسم العلم به عن طريق العقل القاضي بالوجوب والاستحالة العقلية، ويتمثل هذا المعلوم في "حقيقة التوحيد"..وهو لا يفتقر في أصله وحده إلى ورود الإذن الشرعي لاعتباره.
وبذا لم يفتقر هذا المعلوم إلى اعتبار إضافي يرد عليه بخبر مستأنف.
إذ لا يمكن تصور التدين بتعاليم الشريعة أو تلقيها بالقبول والامتثال -من قبل المكلف- دون انحسام هذا التوحيد في عقل المكلف قبل ذلك..سواء كانت معرفته للتوحيد، بعقله، كأثر للتدبر والتأمل بنفسه دون إثارة أو عرض أو حوار، أم كانت معرفته لهذا التوحيد، بعقله، عن الحث، والعرض، أو المحاجة..المهم أنه لا اعتبار للخبر الشرعي عند المكلف دون أن يكون قد سبقه انحسام حقيقة التوحيد.
ولهذا كان اعتبار هذا المعلوم ضرورياً منذ البداية، لأن عدم اعتباره سيلزم منه رفع إمكانية الامتثال و الانزجار تحت حكم الشريعة رأساً، لانعدام قاعدتها، وهذا باطل، وما أدى إليه مثله.
ومن هنا قد استمدينا دليل الإذن الذي يخول لنا اعتبار الحد الأدنى من التوحيد، و اعتبرناه مما ارتضاه الله لنا واختاره دون انتهاض النص.
إذ لا إمكانية أصلاً لانتهاض اعتبار النص، دون أن يسبقه تحديد الجهة التي أصدرته ، وما هي مخولاتها، لكي نحدد موقفنا منها، وهذا غير ممكن دون انتهاض هذه الحقيقة في العقل.
وبهذا صار لامناص، من اعتبار هذا المعلوم الشرعي، هو المعلوم الذي يؤسس ( الحركة بالأصالة ) ويستند عليه، كحركة شرعية قائمة، على معلوم معتبر شرعاً، دون حاجة إلى اعتبار إضافي، يرد عليه بخبر مستأنف.
أما ما سواه، من المعلوم الشرعي،المتعلق بالجوائز،فهو تابع لانحسام الخبر الإلهي،وهو وحده ما سيبين لنا،مكانها من المشروعية.
وبالنظر إلى أن كل الجوائز،مفتقرة إلى دليل يرد من الشارع، فإنه لا يسعنا الإقدام أو الإحجام، على واحدة منها،بقصد التعبد والقربى،إلا بعد الإذن الشرعي المخول لذلك.
لأنه قبل ذلك،يعد جائزاً من الجوائز،يمكن أن يعتبر،كما يمكن أن لا يعتبر.
ولهذا فإنه لا يصح اعتبار أن هذا الشيء، أو ذاك جائزاً من الجوائز، إلا ما جاز تصور وجوده في الشريعة،بدون أن يلزم من ذلك دخول الإشكال ، على حد التوحيد.
وهذا النوع- بالطبع-لا تأتي به الشريعة، لأنه من الاستحالات الشرعية. ومن هذا القبيل مثلا:
عدم الالتفات إلى مظنة الجهل،وعدم اعتبار العذر به مطلقاً.
،فإنه من المستحيل شرعاً، والقول بخلاف ذلك سينصرم إلى رفع الإيمان رأساً.إذ ليس بمقدور العبد،أن يتسامى على جهله وقصوره ،ليضاهي معلوم الله عز وجل ،ولذا لو افترضنا عدم العذر بالجهل مطلقاً ،لحوسب الإنسان المنكر جهلاً،كما يحاسب الإنسان المنكر، جحوداً واستكباراً، في أي أمر من أمور الاعتقادات، أو غيرها، وهذا خلف محال.

أما إن كان اعتبار العذر بالجهل، في مسائل معينة، وبصفة مخصوصة، وبحد مخصوص،فهو من الجائز، الذي يمكن أن يرد في الشريعة، وهو غير مدفوع إلا بدليل ينافيه.
إذ أن هذه المساحة المقيدة، من العذر بالجهل، مما يجوز اعتباره شرعا، كما يجوز عدم اعتباره.ويبقى الخبر الشرعي، هو الذي يعين لنا، هذا الاعتبار من عدمه،أو طبيعة المساحة الذي التحق بها.
والحاصل إن الجوائز،لا تمتلك أي مرجح،من مجرد فحواها، وبالتالي يتعذر على المكلف البث في شأنها، بمجرد موضوعها، وحسب ، دون العودة إلى النص الشرعي ، حسب طبيعة الموضوع، من حيث التفصيل، أو الإجمال.
فإذا كان الإنسان،لا يعلم أي هذه الجوائز، هو مما يحبه الله ويرضاه، كان التوقف في أمرها، هو الموقف الصحيح ، الموافق للتوحيد.
من هنا كان موقف المكلف، من الجوائز الشرعية، وفق ( منظور الحركة بالأصالة)، هو التوقف عن الإثبات،أو النفي، ريثما يعلم بانحسام الاذن الإلهي،بالمنع أو المشروعية.
والإقدام على الإثبات أو النفي قبل ذلك، هو تجاوز للإذن الإلهي، وهو خارم للتوحيد.
إذ أن الجائز باق على حاله، من عدم صحة القصد الشرعي إليه، قبل أن يبلغنا العلم بانحسامه عن طريق الخبر الشرعي..وذلك وفقأ لمقتضى الحركة بالأصالة، التي تقضي بضرورة البقاء على الأصل، أو المعلوم، والتوقف عنده، حتى يتبين لنا، مايؤكد وجود التبع، الذي يسمح بتخصيصها، أو إلغائيها،أو تقييدها،...الخ
وهذا التبع، هو ما يخول مغادرة معلوم الأصالة، إلى المعلوم المستأنف لدليل خبري.

شرعية الحركة بالأصالة
صح استمداد مشروعية الحركة بالأصالة، من اعتبارها هي المستند لحركة الوجود كله، في سيره وعلاقاته،و بها تقوم عوائد الكون، والإنسان والحياة. وهذه العوائد هي المحل، الذي تنزلت عليه الشريعة، والتحقت به مطلوبية الإيمان.
فإن ذلك دال بلا مراء، على اعتبارية الهيئة، التي وجد عليها محل الطلب.
ونحن إذ نتجاوز هذه الجهة، فلا نبسط القول فيه، ونمسك عنان الكلام عنها لوضوحها،ونركز- عوضاً عن ذلك- على جهة أخرى، وهى التي سنتناول من خلالها مشروعية هذه الحركة.
ومن هذه الجهة بالتحديد يمكننا النظر، إلى مشروعية الحركة ـ بالأصالة من اعتبارين هامين هما:
1 ـ اعتبار كونها حركة بمعلوم.
2 ـ اعتبار ما يلزم من مخالفتها.
أولاً: اعتبار كونها حركة بمعلوم :
إن تناولنا لمسألة المشروعية، من خلال هذا الاعتبار، تبدو لنا أكثر وضوحاً وجلاءً، عندما يتعلق الأمر بالمكلف الذي يعتقد بشرعية ما توصل إليه من أحكام أو تقريرات حول بعض المسائل.مع أن الحقيقة ليست كذلك في نفس الأمر.
وهو مضطر هنا- بمقتضى التوحيد- إلى العمل بما يراه شرعا، وعدم الانتقال منه إلى غيره، دون دليل كاف.
ولهذا فإن حركته،وفق هذا المعلوم،تعد حركة شرعية،لايجوز له تجاوزها بحال.. وذلك لأمور:
1 ـ إن المكلف عندما انكشف له هذا المعلوم، واعتبره شرعيا لا يمكنه دفعه عن نفسه، بحكم الخلقة الإلهية.سواء شاء أم أبى ، تعمد تحصيله أم تسلل إليه خلسة.
ومن المحال أن يأتي تكليف، لا يراعي محله، الذي سيتنزل عليه.
وبهذا إذا استقر في ذهن المكلف،ما رأه شرعاً، فإنه لا يسعه أن لا يعتبره كذلك ، ولا يصح له، الإحجام عن العمل وفق مقتضاه،لأنه إحجام عن الامتثال الشرعي، المناط به بعد انعقاده فى ذمته.
2 ـ إما إبطال حركة المكلف، لكونه قد استند في تقريرها إلى معلوم غير صحيح عند الله، فهو لا يستقيم لعدة أمور منها:
أ ـ إن تعليق بطلان الحركة، أو صحتها، على مجرد الموافقة للمطلوب الإلهي ، كما هو في نفس الأمر،من عدمها، سيرتد على الشريعة بالنقض والإبطال، وذلك لأن المعتبر في العمل الشرعي، هو بلوغ العلم، حكماً أو حقيقة.
وإهمال هذا الاعتبار،سوف يؤدي، إلى ارتفاع العذر بالجهل في الشريعة فيحاسب الجاهل كالعالم ، فيكفر الخلق جميعاً، لعدم قدرتهم على الإحاطة بكل الأحكام، كما هي عليه في أصل الخطاب .فيرتفع محل التكليف،لانعدام إمكان انتهاضه،وهذا باطل، وما أدى إليه مثله.
ب ـ إن ذلك سيؤدى إلى ارتفاع الاجتهاد من الشريعة، بل الامتثال برمته، لأنه قائم على بذل الوسع في إصابة حكم الله.
فكيف يتمكن المجتهد، في نص ظني،أن يعتقد بإصابة حكم الله، كما هو عليه في نفس الأمر؟
وكيف يعمل الحاكم، المتصدر لمهمة فض النزاع بين الخصوم؟
بل كيف يتسنى لمن احتجبت عنه الكعبة، أن يتوجه إلى عينها في الصلاة ؟ وكيف له أن يتوضأ، ويصلى، ويحج، ويزكي ...؟
إذن فذاك باطل محال، وما بني عليه مثله.
ج ـ إن تعليق التكليف، بما في نفس الأمر وقد لازم الجهل الطريق إليه، سيصير بالتكليف إلى ما لا يطاق.
وأحسب أن فيما ذكرناه الكفاية لتحقيق المقصود، وبه يتضح لنا:
إن الحركة بالمعلوم، من جهة كونها كذلك فقط، تعد حركة شرعية سليمة المنطلق، وإن لم تصب حكم الله.. أو توافق الأمر كما هو عليه في نفس الخطاب.
ثانيا : اعتبار ما يلزم من مخالفتها :
علمنا مما سبق، أن الحركة بالأصالة، هي الحركة بالمعلوم، الذي هو في نظر المكلف معلوما شرعياً.
أما إذا لم يره معلوماً شرعياً، فإن الحركة على وفقه، هي حركة باطلة فاسدة المنطلق، لأنها ليست امتثالاً وعبودية لله، بل هي مجرد مزاج وهوى وتشهي... أو غير ذلك مما لا علاقة له، بمعنى العبودية، أو التقرب إلى الله عز وجل.
و بالتالي، فهذه الحالة، خارجة عن مجال حديثنا هذا.
بالنظر إلى أن قصدنا، إنما ينصب على الحالة، التي يكون فيها الإنسان، قد استقر على معلوم معين ،اعتقاداً منه، بأنه شرع الله يقيناً، حتى مع تسليمه بجواز أن يكون الشارع ، قد اعتبر أحد الجوائز أو بعضها، مما يقيد ما توصل إليه من حكم، أو يلغيه، أو يفصله ...الخ، غير أنه لم يصل علمه إليه بعد.
ولهذا فإنه لا يصح- بحكم التوحيد- أن نطالب مثل هذا المكلف أن يغادر معلومة اليقيني، إلى معلوم آخر مخالف، بحجة أنه صحيح عندنا.
،دون تقديم البينات الكافية والمبرئة للذمة أمام الله.
وهذا النوع من المطالبات –بفرض حصوله-فهو دعوة ضمنية إلى ترك الامتثال بمقتضى المعلوم،بمجرد الدعاوى وحسب، بغض النظر عن ثقل أو وزن مطلقها من حيث الاعتبار أو الثقل المرجعي أو الكثرة...الخ. إذن فالإقدام على الامتثال، بمجرد العاوي وحسب، دون تقديم البينات الكافية يعتبر من قبيل العمل الباطل، بالنظر إلى التوحيد، وذلك لما يلزم عنه من أمور، أهمها:
1 ـ تجاوز الإذن الإلهي:
وذلك بالإقدام، على حسم جائز من الجوائز، وترشيحه كمناط صالح للامتثال، والتعبد.رغم عدم حسمه- في عقله-، بدليل كاف.
لأنه حين استقر هذا المعلوم أو ذاك، في ذهن المكلف، على أنه شرع يتعبد به إلى الله،صار غيره مما قد يلغيه، أو يخصصه، أو يقيده،...الخ، مجرد جائز من الجوائز، قد يعتبره الشارع، وقد لا يعتبره.
فمثلاً : لو علم هذا المكلف، بأن الصلاة، تكون إلى جهة بيت المقدس وبقي على ذلك، مدة من الزمن، كان في أثنائها تحول القبلة إلى جهة الكعبة.
أو أنه علم بأن الخمر حلال، وظل يشربها، رغم تحريمها، الذي لم يبلغه.
أو أنه علم بتحريم، الميتة والدم، ولم يبلغه دليل التخصيص في الحوت والجراد.
فإن علمه بالصلاة إلى بيت المقدس، وحلية الخمر، وحرمة الميتة والدم، هو المعلوم الذي إذن الله له فيه..وأما غير ذلك،فيعد جميعه من الجوائز.
فقد يبقي الشارع على قبلته تلك وقد لا يبقي، وعند تغييرها فربما يكون إلى الكعبة، أو إلى بيت المقدس، أو إلى طور سيناء ...الخ، مما لا يحصي من الأمكنة التي لا تشكل على مفهوم التوحيد.
وأيضاً، فمن الجائز، أن لا يستثني الشارع من الميتة شيئاً، وقد يستثني نوعاً منها،أو جزء من الميتة، أو كيفية، أو حال، كأن يكون موتها بسبب النطح مثلاً... إلى غير ذلك مما لا يحصي.
فهذه الجوائز جميعها، كل واحد منها، مما يجوز أن يأذن الله فيه فيعتبره وقد يمنعه فلا يعتبره.. و ينحسم علم ذلك، بدليل خبري من الله.
ولاشك بأن المكلف، قد لا ينطرح لديه خلاف ما هو عليه، فضلاً عن المئات، أو الآلف من هذه الجوائز.. إذ من المحال أن يتوجه المكلف، إلى جائز( بعينه )،من كونه جائزاً فقط، في حين أن جميعها،تشترك في ذات المقومات!!
فلماذا إذن، ينفي هذا الجائز أو ذاك، أو يثبته، دون غيره ؟
المهم إن هذه الجوائز، سواء طرحت أم لم تطرح، فإنها تفتقر إلى إذن من الله، لكي يصح الامتثال على وفقها، ويتقرب بها إلى الله.
والمكلف يعلم يقيناً، بأنه ليس مأذوناً له فيها، بل أنه يتوافر في تصوره على معلوم آخر، هو في نظره شرعياً مأذوناً فيه.
فكيف ينتقل مما فيه إذن- في تصوره- إلى ما ليس فيه إذن ؟
فمغادرة هذا المعلوم المتيقن في نظره،إلى جائز مفتقر إلى دليل من الله ، يعد تجاوزاً لإذنه تعالى.
و لامناص من القول:بأن هذا التجاوز- من قبل العبد- ليس بمقدوره ، أن ينحسم ،إلا بعد التورط في بعض النقائض الخطيرة التي منها ما يلي:
أ ـ المراغمة، والمغالبة لصاحب الاذن.
ب ـ الإهمال، والتغاضي.
ج ـ الاستعلاء ، والاستكبار، والاستنكاف .
د ـ الجاه، والحظوة، والمنزلة.
هـ ـ الجهل بما يتوجب .
و ـ الوقوع في القياس، والتشبيه وغيرها من النقائض و الخوارم الناقضة للتوحيد الإلهي.

ولاشك، بأن ترك المكلف لما هو قربة في نظره، إلى ما لم تنحسم مشروعيته بالدليل الكافي،يعد من قبيل التعدي، والتسور على حمى الرب، الممتنع عن جميع خلقه.
وفي مثل هذه الحالات،لا يستقيم لهذا المكلف أن يتصور براءة ذمته، وخلوها من النقائض الخارمة للتوحيد،مع ما أقدم عليه من تجاوز،لمنطقة المنع إلى المشروعية بلا دليل أو برهان.
وربما قد لا يلاحظ البعض، بأن دعوة هذا المكلف أو ذاك إلى ترك معلومه الشرعي، إلى سواه بدون دليل كاف يخول له ذلك، هو في حقيقته دعوة فجة إلى اقتراف جريمة التنقيص، للبارئ عز وجل.
إذ كيف يتسنى له للمكلف ذاك الموقف، مع التشبث بدعوى الامتثال إليه سبحانه، ليرضي عنه؟ وهل يعني ذلك إلا القول بصحة أن يتقرب العبد إلى الله بما يستوجب سخطه عليه ؟

2 ـ تعبيده لغير الله :

إذا كانت الحركة بالأصالة، تجد حجيتها الأولية، من التوحيد ، باعتبارها تعني التوقف عند الحدود المتيقنة من الشرع، التي ثبت تيقنه في ذهن المكلف،فإن الاعتراض عليها من هذه الجهة، هو دعوة صريحة لهذا المكلف، بأن يترك العمل ، بما يراه شرعاً، إلى غيره مما لم تثبت عنده شرعيته.
وإلا فما هو مبرر الاعتراض عليه، من هذه الجهة، إن لم تكن بغرض أن مطالبته، بالانتقال إلى ملا يراه امتثالاً لله؟
فمثلاً: لو أن شخصاً ما، يري بكفر تارك الصلاة،أو كفر الساحر والجاسوس... وتأتي أنت، كعالم أو غيره، وتأمره بأن يعتبره مسلماً، ويجرى عليه أحكام الإسلام.. فهل هذا السلوك، إلا بمثابة أن تأمره بأن يكفر، وتريده أن يطيعك في ذلك،مع أنك لم تقنعه، بأن ذلك هو حكم الله.
وأيضاً: لو أن شخصاً، امتنع عن أخذ إبر التغدية ،لأنها تبطل الصوم، في نظره.. وتأتي أنت، كعالم، وتطالبه بأن يعتبرها غير مبطلة وتلزمه بأخذها.
فإنه إن فعلها، فسيعتقد بأن صومه، قد فسد،ما لم تقدم بين يديك، من البراهين المقنعة ما يجعله يرى الأمر كما تراه..وإلا لما صح له أن يمتثل لمقتضى دعواك، بمجرد أنك قد ادعيتها,لما في ذلك من عبودية لغير الله.. الذي ليس لأحد أن يطاع لذاته إلا هو ،فله وحده الخلق والأمر، وهو العليم والحكيم.
إذن فإن الحركة بالأصالة، باعتبارها حركة بالمعلوم الشرعي، فهي مقتضي الحركة الشرعية الصحيحة، دون مراء.
وقد يشكل عند البعض،أن يتعلق بالمعلوم، الذي تمت مخالفته،أوعدم العمل بموجبه، مظنة الوقوع، في مخالفة الحق.
ونحن لا ننكر بأن جهل المعلوم الشرعي، وعدم العمل به سيوقع المكلف في مخالفة الحق، بلا ريب.
بيد أن ذلك لا يشكل على صحة الحركة بالأصالة، كحركة شرعية قائمة على عدم تجاوز الإذن الإلهي، من حيث المبدأ.
بل يلزم من عدم التقيد، بهذه الحركة، انتقاض لمفهوم التوحيد وتبدده وانصرامه، إلى نقيضه.
ولكن هذا لا يعني، أن يلزم من صحة هذه الحركة وشرعيتها،انعدام الوقوع في المخالفة الشرعية من كل الجهات،بالضرورة .
لأن المشروعية، إنما تعلقت بصحة الحركة، من حيث هي حركة بمعلوم شرعي، أما الوقوع في المخالفة، فهو قد يرجع إلى الأسباب المنشئة لهذا المعلوم،أو طبيعة المقدمات المكونة له...،أوغير ذلك.
وهذه يتعلق - بالضبط- بمناطات المؤاخذة، ومن هنا فقد يترتب عليها،بعض الأوصاف كالتبديع،و التضليل... وغيرها من الأوصاف.
إذ أن ذلك هو محل الإدانة والمحاسبة، التي تعود إلى الأسباب الكامنة وراء، عدم تحصيل –المكلف- للمعلوم، الذي وقع في مخالفته. كأن يكون السبب في ذلك،هو تقصيره، أو إعراضه عن موطن الحجة، أو لامبالاته وتفريطه، أو عدم تحريه ، وضعف تتبعه.. أو لتعصبه ...الخ.
إذن فترك الواجب، أو الوقوع في الحرام، أو مخالفة سواد الأمة...وسواها من المترتبات الضخمة، غير كافية،ولا مخولة لمغادرة المعلوم الشرعي،والدخول في مواقف أو أعمال..مجهولة المشروعية، لما في ذلك من تجاوز للإذن الإلهي.
فما هو الذي يضطر المكلف أو يلجئه إلى أن يهرب، من الحرام والبدعة إلى الكفر؟

(الخلاصة)
لقد عمدنا في هذا البحث، إلى طرح منظور الحركة بالأصالة، في محاولة منا لإلقاء الضوء على الحركة الشرعية، وفقا لهذا المنظور، من خلال إيجاد الصلة بين حقيقة التوحيد والشريعة، ليكون التوحيد فيها هو الإطار الذي نبعث منه هذه الحركة، و أليه تعود.
فمثل أحقية الله بالمنع والمشروعية متكأ ومرتكزاً، لهذه الحركة إقداماً، وإحجاماً. وحول هذه العلاقة، اثبت جملة من الأمور نضمنها هذه الخلاصة:
1 ـ إن حقيقة التوحيد، توجب الإذن الإلهي، في المنع والمشروعية.
2 ـ إن تجاوز هذا الإذن، يعد حارماً لحقيقة التوحيد.
3 ـ إن هذا الاذن لاينحسم شرعياً، عند المكلف إلا بدليل قطعي
4 ـ إن مآخذ الاذن هي: العقل ـ الخبر وما يرجع إليهما، مما يفيد الظن فهو مفتقر، إلى دليل قطعي لاعتباره.
5 ت إن وسائط التلقي القطعية، لا تفتقر إلى دليل مستأنف، فاعتبارها مستمد من الأصالة مباشرة.
6 ـ إن وسائط التلقي الظنية، مفتقرة إلى دليل مستأنف لاعتبارها شريطة أن يكون قطعياً.
7 ـ إن الفرض النظري الذي يتعلق به الإذن، هو ما جاز تصور وجوده في الشريعة، وتصور إنزاله على المكلفين بدون أن يلزم من ذلك مناقضة التوحيد.
8 ـ إن المكلف، لا يمكنه أن يتحرك حركة يريد بها القربى والامتثال، أن يمتثل لغير ما يراه امتثالاً، لصاحب الشرع بقصد التعبد إليه.
كالمسلم الذي أسلم في دار الحرب، ولم يعلم من الشريعة شيئاً،فإنه لا يجوز له- وفقاً للتوحيد- أن يفترض شريعة، ثم يعمل بها. لما في ذلك من افتراء على الله بلا برهان، وهذا باطل وناقض للتوحيد.
9 ـ إنه لا يصح- وفقاً للتوحيد-أن يتم الاعتراض، على أي مكلف يستمسك بعرى ما يراه شرعاً، وإن لم يكن شرعاً في نفس الأمر.
إنما يصح الاعتراض عليه، من جهة الدواعي، والمقومات التي دعته، لاعتبار هذا الأمر أو ذاك شرعاً، وطبيعة الجهد الذي بدله، وهل هو كاف لتبرئة الذمة أم لا؟ وهذا هو مناط المؤاخذة هنا.
10 ـ إن الحركة وفق ما يراه المكلف، معلوماً شرعياً، لا اعتراض عليها من هذه الجهة شرعاً، وإن كان ما يراه معلوماً شرعياً، هو ليس كذلك في نفس الأمر، أي في أصل الخطاب.
11 ـ إن الإحجام عن العمل، في حالة الجهل بالمعلوم الشرعي،هو الموقف الصائب، والصحيح،بغض النظر، عن كونه معلوماً شرعياً ملزماً،أو أنه موافق لأصل الخطاب، مادام المكلف لا يعرف ذلك.
12 ـ إن الإحجام عن العمل، بما يراه المكلف معلوما شرعياً ملزماً لا يجوز، ولا يصح.. بغض النظر، عن مخالفته أو موافقته لأصل الحطاب.
13 ـ إذا افترضنا، كون المعلوم الشرعي مجهولاً، بالنسبة للمكلف، فإن تصور الامتثال إليه، هو تصور للامتثال للمجهول، وهذا محال عادة وعقلاً.
14 ـ إن الحركة بالمعلوم،تعتبر حركة صحيحة، ومشروعة، وإن لزم منها الوقوع في مخالفة الأمة.
ولكن هذه المشروعية، لا تتعدى جهة الحركة بالمعلوم، من جهة كونها حركة بالمعلوم فقط.
لا من جهة النتيجة المترتبة على هذه الحركة، ولا الأسباب المنشئة، لهذا المعلوم، لأن ذلك محل الإدانة، حسب ما يتضح من حيثيات.
15 ـ إن مشروعية الحركة، وتصحيحها،-من حيث المنطلق-أي من حيث كونها حركة بالمعلوم، وحسب، لا تعنى بالضرورة، انعدام الإدانة لهذه الحركة وما يترتب عليها من تخطئة، وتضليل.
16 ـ إن مخالفة المكلف، لما يراه معلوما شرعياً، يعد تجاوزا للأذن وخرما للتوحيد.
17 ـ إن ما كان مجهولاً، بالنسبة للمكلف، ففي حالة علمه به.فإن اعتباره والعمل على وفقه، هي الحركة الشرعية الصحيحة والعكس غير صحيح.
إذن فهذا هو ما قصدناه،بمنظور الحركة بالأصالة، هو منظور توحيدي خالص،يؤسس لمفهوم إعادة تأصيل القضايا الدينية، ومراجعة ثوابتها القارة، بغض النظر، عن المألوف، والمستفيض، والمعروف، الذي تحدر إلينا من غياهب التاريخ والجغرافيا.والبيئة، والمحيط الخاص.

طرابلس/1993

ليست هناك تعليقات: