31‏/08‏/2008

وشوشات على هامش ( الحوار السني الشيعي) .

وشوشات على هامش الحوار السني الشيعي
في قناة المستقلة.


إن الدعوة إلى الحوار بين المذاهب،التي يجهد في سبيلها بعض الطيبين من الطائفتين،على مشروعيتها،ومعقوليتها الظاهرة،فإنها تعاني من تورط حاد، في ثلاثة أخطاء ثقيلة على الأقل:
1- التعالي على التاريخ.
2- عدم احترام الخيار العقائدي.
3- التغاضي،أو الجهل بحجم الخلاف،وطبيعته.

ونحن هنا،لسنا بصدد الكلام حول إشكالات الحوار المألوفة جداً عند الكثيرين،ولا بصدد الكلام عن شروطه،وآدابه،التي درج على ترديدها كلا الفريقين المتخاصمين،وهي معروفة،ولكننا بصدد الدعوة إلى تأسيس حالة من (الفهم ) المتبادل بين المذاهب المختلفة.
حالة يقصد منها أن تتجه همة المرجعيات المذهبية على الضفتين إلى عمل علمي محدد يأخذ على عاتقه مهمة التعرف على المذاهب الأخرى النظيرة له كما هي عندهم تماماً.
أي أن يفهم أصحاب هذه المذاهب،مذاهب مخالفيهم،حسب رؤاهم،وتصوراتهم الخاصة بمذهبهم على حقيقتها،دون زيادة،أو نقص،أو تحريف.
و هذه هي الخطوة الأولى التي لامناص منها،لاستبعاد الكثير من المظاهر والمواقف السلبية الناتجة عن حالات سوء الفهم المتبادل وما يستتبعها من أحاسيس ومشاعر ومواقف مدمرة لأية فرصة حقيقية للحوار أو الانفتاح.
وهذه الخطوة الضرورية،سوف لن تتم بمجرد قراءة تراث هذه المذاهب المخالفة،أو تتبع أدبياتها ومقالاتها على تعددها وتباينها وتناقضها،إنما تتم فقط، عندما تنخرط مرجعيات كل مذهب على حدة، في تدشين صياغات واضحة ومحددة لمعالم مذهبها وخطوطه الأصيلة.
وذلك بترسيم جميع ثوابته الفقهية والتصورية والعقائدية وما يؤسسها من رؤىً و قناعات،تكون بمثابة (المدونة الرسمية) ،التي تضم بين دفتيها ما يصح اعتباره (ديناً ملزماً) ،لعموم أتباع الطائفة أو سوادهم الأعظم .
وتأتي أهمية هذه الخطوة من أهمية أن يتحمل أصحاب كل مذهب كافة المسؤوليات المنهجية والأدبية والأخلاقية التي توجبها رؤاهم وثوابتهم وتصوراتهم التي تشتمل عليها مدونتهم الرسمية وتضمها بين جنباتها.
بحيث يمكن أن ينطلق الحوار على قاعدة مؤسسة على هذه المسئوليات المتبادلة التي تمد الحوار بموضوعه وطبيعة الاتجاه الذي يتعين أن يسير فيه والمعطيات التي ستساعد على استكشاف وكشف مشروعية الصيغ المطروحة للنقاش أو عدم مشروعيتها.

لأن كل مذهب من المذاهب – كما نعرف - ، قد مر منذ تأسيسه ، بمراحل متعددة وكثيرة ومتعرجة،في طريقه نحو التشكل والتبلور النهائي عبر التاريخ .حيث اتخذت هذه المراحل، أشكالاً مختلفة، ومتباينة، من الرؤى والتصورات،في كل منعطف من منعطفات الاجتهاد،والتطوير المتوالي .
فكان التعديل، والشطب، والتصحيح،وفق سلسلة من المراجعات التي تطيح – في الأغلب- ببعض هذه الرؤى،والتصورات، أو تضيف إليها أخرى،أو أن تقوم بإكمال بعضها،أو تبينه،أو تحدده،أو أن تخرجه في حلة جديدة ...الخ

ومجانبة هذه الخطوة،أو عدم التعامل معها بشكل جدي،قد ساهم في مراكمة طبقات هائلة من مظاهر سوء الفهم، وانعدام الصدقية،وضياع الثقة بين المتحاورين،كما ضاعف أيضاً من الإحساس المتبادل بالظلم والغبن والتحيز وعدم الإنصاف،مما أنتج حالات متصاعدة من العمه والتلغيز،والصمم والعدمية الموضوعية أثناء الحوار.
ولعل أبسط ما يمكن رؤيته بجلاء، كأثر لغياب هذه الخطوة،جملة من الأمور أبرزها ما يلي:

1- الإقدام على تصيد الشوارد،من المقالات البائدة المنقرضة، أو الشاذة ،عند المذهب المخالف،ثم السعي لإلصاقها بأصوله وثوابته وإلزامه بها.
2- وفي المقابل، يتم إنكار وجود هذه الأقوال أو المقالات البائدة التي تم هجرها، وتجاوزها، بفعل الزمن، أو تطور المراجعات.أو يتم الاتجاه-عوضاً عن ذلك-إلى تبيئة هذه المقالات أو تسويغها باستحضار بعض المعاذير أو المخارج التأويلية،سواء كان ذلك من باب التعصب للآراء والأفكار والمواقف،أو من واقع الانحياز العاطفي للشخوص،أو الرموز .
3- تصيد المقالات المتناقضة،أو المرتبكة،أو الصياغات القابلة للتأويل السلبي،أو القراءة الهدمية أو المتعسفة وإسقاطها على سياقات ومضامين لا تنسجم مع القراءة العضوية للرؤية المطروحة.
4- الدخول في سلسلة متلاحقة من التوظيف والتوظيف المضاد بين المتخاصمين في تبادل حثيث ومحموم بين الأدوار.
وهكذا يمكن أن يستمر ويتصاعد هذا السجال الاعتباطي العدمي إلى يوم الحشر إلا أن يتم التعاطي مع هذه الإشكالية المأزومة من منظور جديد يأخذ في اعتباره ما قد أشرنا إليه آنفاً.

إذن فنحن أولاً، وقبل كل شيء، بحاجة إلى تدشين لحظة (الإفهام، والتفهم)، كبديل عن هذا الخيار الساذج، الذي نطلق عليه بفخامة زائفة:الحوار بين المذاهب
هذا إن كان في عزمنا ونيتنا الوصول إلى نهاية ممكنة لهذا العشق المجنون لتدمير الذات..




ليست هناك تعليقات: