01‏/08‏/2008

مسرحية محيرة


دعونا نتصور هذا المشهد الطريف :
1- طاولة في مستطيلة في منتصف المسرح ، يجلس إلى أحد أطرافها ابن تيمية ، وابن كثير ، ويجلس ابن حجر العسقلاني ، والنووي في مواجهتهما تماماً .
2- تصور أنهم بدؤوا يتحاورون في أحد القضايا الخلافية بينهم ،ولتكن مسألة صفات الأفعال.
3- ثم تصور بأن ابن تيمية ، وابن كثير _ وهما يمثلان السلفية _ أنهم قد حاولا تقديم ما في جعبتهما من أدلة ، وبراهين من القرآن ، والسنة ، لأجل التأكيد على ضرورة إثبات هذه الصفات .ثم جاء دور ابن حجر العسقلاني ، والنووي في الحديث ـ وهما يمثلان الأشاعرة- ، فحاولا استفراغ ـ واستحضار ما يمتلكانه من أدلة ، وبراهين من القرآن ، والسنة ، لأجل التأكيد على ضرورة تأويل هذه الصفات .
4- وفي النهاية ، وبعد ساعات طوال أنفض المجلس دون الوصول إلى قناعة مشتركة ..فتم الاتفاق بينهم على استئناف الحوار في ذات المكان بعد شهرين من الزمان .
5- ثم جاء موعد الحوار ، أو المناظرة ...... وتكرر المشهد نفسه ، ولم يتم الوصول إلى قناعة مشتركة ... فاتفقوا على أن يتبادلوا الكتب ، والمراجع ، والمخطوطات فيما بينهم على أن يعودوا إلى الحوار في ذات المكان بعد شهرين آخرين من الزمان .
6- ثم جاء موعد الحوار ، أو المناظرة ...... وتكرر ذات المشهد ، ولم يتم الوصول إلى قناعة مشتركة .
هنا تسدل الستارة ،ويأتي تعليق المشاهدين :
أ- يبدأ أول المشاهدين بطرح السؤال الجوهري التالي :
لماذا لم يتمكن الطرفان من الوصول إلى قناعة مشتركة ؟؟
ب- يبدأ الحاضرون بطرح الاحتمالات :· هل هو لجهل عند أحد الأطراف؟·
أم هو ، لجهل عند الطرفين ؟·
أم أن أحدهما لم ينصت لحجة الآخر، أو لم يستبن دلالتها ، ولم يعرف مقصدها؟.·
أم أن الطرفين كانا كذلك في عدم الإنصات ، وعدم إدراك القصد؟·
أم أن حجج الطرفين مفهومة ، و معروفة الدلالة بيد أنها غير ملزمة، ولا كافية ، ولا مقنعة ؟·
أم أن أحد الأطراف قد فهم حجة الآخر ، وأدرك معانيها، و أقتنع بها ،و اعتقدها ، ولكنه أنكرها ، و سترها ، وجحدها ؟
ج – الآن جاء دورنا نحن .... فدعونا من المسرح ، ولنقفز سريعاً من عالم الخيال إلى العالم الحقيقي ، ولنقل ( بالعقل) العريض :يا جماعة ....نحن هنا في مواجهة إشكالات أربع ، هاكم تأملوها :·
أما أن نضطر إلى وصف هؤلاء العلماء الأعلام بـ ( الجهل ) ، وانعدام العلم أصلاً .·
أو نضطر إلى الحكم عليهم بعدم القدرة على إدراك الخطاب ، و فهم مغازيه ، و دلالاته.·
أو أن نصفهم بـ ( الجهالة ) ، المؤدية إلى الإنكار والجحود .· أو نصفهم بـ( الجهالة ) ، المؤدية إلى الأعراض ، واللامبالاة بسماع الحجة ، الذي سيقود إلى الجهل بها أصلاً ، أو الجهل بدلالاتها ، ومعانيها ، وأوجه الإلزام فيها .
دعونا نتصور أننا نقول الآتي :
إن ابن تيمية ، وابن كثير أو ابن حجر العسقلاني ، والنووي قد اتصفوا جميعاً ، أو بعضهم بالآتي :·
القصور عن امتلاك الأدوات المساعدة في فهم الخطاب الشرعي كـ( أصول الفقه ، وعلم الحديث ، وعلم البيان ، علم البديع ، علم النحو ، والصرف ، علم الفقه ، علم التفسير..الخ ) ، وأضف إن شئت علم الكلام .· القصور عن أداء أمانة العلم ، وتبليغ الحق ، والتلبس بالجحود، والإنكار كتمان العلم الشرعي ، و التواطؤ على تضليل الأمة .·
الاتصاف بـ ( الأعراض ) عن تحري الحق ، والبحث عنه أو الإهمال، و اللا مبالاة بأمور الديانة.وهنا ينبغي أن نعلم : إن أية نقطة من هذه النقاط الآنفة سنقررها هنا ، سوف تحق على الالآف من علماء الفريقين السلف ، الأشاعرة على تتابع السنيين ، التي دارت فيها رحى السجال إلى اليوم.
وإلا كان المخرج الوحيد هو أن نقول :أن حجج الطرفين مفهومة ، ومعروفة الدلالة بيد أنها غير ملزمة ، و لا كافية، و لا مقنعة ، و لا واضحة الاقتضاء لكليهما ؟وهذا يضعنا في مأزق آخر هو :إن كان هؤلاء العلماء الأعلام ، و السادة الكرام الذين عن طريقهم عرفنا هذه العلوم ، وبجهودهم تذللت لنا نواصيها ، واستأنس لنا قيادها لم تلزمهم الحجة ، ولم تضطرهم الدلالة ، ولم تدمغهم موجباتها...فكيف تلزمنا نحن الجهلاء المقلين المقلدين إلزاماً علمياً على وجه اليقين ، والحقيقة لا على وجه الظن ، و الجهل ، والشبهة ، والاشتباه ، والتوهم ؟؟؟؟إذا فالمسألة شائكة ، معقدة التركيب ، ولن يجدينا نفعاً تلك الحلول المبسطة ، والتلفيقية المريحة التي لا تقيم وزناً للعلم ، ولا للدين ، ولا للحقيقة .فالمخارج المريحة ، السهلة ليس من الصعوبة أن تعثر عليها ، فقط أوقف أول كسلان يمر بك على ناصية الطريق ثم أسأله، دون أن تتعب نبضك ، أو خلاياك .ولكن حل هذه المعضلة، ستبقى من أهم الخطوات العلمية التي يلزمك أن تخطوها ، في رحلتك الطويلة من طنجة إلى بيروت، حافياً على الأقدام تحت شمس الصحراء الكبرى .

ليست هناك تعليقات: