31‏/08‏/2008

نحو ممارسة نقدية للفكر الأصولي



( تجليات الغياب )


نقد القيمة الموضوعية لليقين في العقل المجرد ...


لقد قررنا منذ البدء في دراستنا أن ننطلق لتعميد قضية أساسية مفادها "نفي الارتباط مابين ما يتمتع به النظام البدهي من حفاوة وحضوه عند كافة مستويات المعرفة في العقل ، وبين فاعلية هذا النظام وممارسة سلطاته بكفاءة كاملة عند تلك المستويات ...
إذ ذلك وهم مضلل بالفعل … وهم قامع لحقيقة أن هذا النظام لا يمتلك أية فاعلية بهذا القدر من الثقل والامتداد !!
فهو نظام مخدوع غير محصن إزاء ما تمارسه "الفاعليات" التي تكرس الوضع المناقض له تماماً ، وباسمه،استتاراً بردائه الذي يعطيها المشروعية اللازمة للحفاظ على كيانها الخاص ، بل ويمدها بمقومات البقاء والاستمرار.
إذن فهذا التقرير هو ما أردنا تصديقه بالضبط … ولأجله أتينا بجملة من المفاهيم الإجرائية،لتوظيفها في هذه الدراسة بالقدر الذي يمكننا من تكوين معرفة واضحة – بشكل عام – يساعدنا على تصور "المفهوم" الذي نسعى لجعله مقدمة للقطيعة مع "العقل المجرد" وآلياته ومفاهيمه.
بيد أن خطوة هذا شأنها لايمكن أن تتم دون التضحية بالكثير من النظم والقواعد "القارة" التي تم تعميدها كأساس لتحصيل المعرفة ، وتطويرها وتنميتها … الأمر الذي يضع دعوتنا لتجاوز هذا "العقل" في محل يجعل منها غير ذات موضوع.
ولكن إذا كان التجاوز ممكناً … وحصوله مطلوباً فلابد لنا من البحث عن الطريق ، ولابد لنا من بداية.
وهل من بداية سوى التعريف والتعرف ؟!!


( القيمة الموضوعية لليقين ) …
لاشك بأن اليقين كمفهوم مجرد عن النسب لايمكن فهمه وإدراكه بمعزل عن كونه المحصلة النهائية لحكم العقل بسلامة النتائج التي توصل أليها حول موضوع ما ، بحيث يكون معبراً عن المطابقة .
ومن هنا بالذات تتبلور "القيمة الموضوعية" لليقين … باعتبارها مستمدة من قيمة وأهمية إدراك حقيقة الشيء بما هي عليه في الواقع.
وقيمة هذا الإدراك المطابق مستمدة من أهمية وضرورة اتخاذ المناسب حيال الأشياء.
إذا فزاوية النظر لليقين هنا تتعلق بنسبة الموضوعية فيه كقيمة يمكن تأسيس المناسب عليها ، لا مجرد حصوله كيقين وحسب.
إذا كان الأمر كذلك ، فبم تتحدد "القيمة الموضوعية لليقين ؟
تتحدد القيمة الموضوعية لليقين،عند تعلق الأمر بإدراك حقائق الأشياء والموضوعات بصورة مطابقة لما هي عليه في الخارج ، بأمرين اثنين هما :
1- كونه معبراً عن هذه المطابقة التي تعكس إدراك الشيء كما هو عليه في الواقع .
2- كونه معلوم التأسيس ، منضبط التكوين مما يجعله قابلاً للمعايرة، قابلاً للاستعادة .
إذن متى كان اليقين متحصلاً بمقدمات منضبطة،محددة،معلومة،ومعبراً – فعلاً – عن المطابقة،أو إدراك الشيء بما هو عليه في الواقع،فقد انتهضت قيمته الموضوعية التي تسمح باتخاذ الموقف المناسب حيال هذا الشيء المدرك.
من هنا يمكننا أن نطرح السؤال الذي يعكس موضوعنا المقصود بالبحث ، وهو :
ما الذي يؤسس اليقين في المنهج العقلي ؟
وما هي القيمة الموضوعية لليقين المتحصل عن طريق العقل المجرد ؟

( تأسيس اليقين عند العقل المجرد )
للإجابة عن التساؤل السابق سنختار مدخلاً نراه معيناً على تفهم الموضوع بشكل أيسر وأوضح ... فنقول :
انطلاقاً من أن اليقين هو المحصلة النهائية لحكم العقل بسلامة النتائج التي توصل أليها حول موضوع ما من الجهة المقصودة بحيث يكون معبراً عن المطابقة .
فما هو الضامن لسلامة هذا الحكم العقلي تحديداً ؟
بحيث تكون النتيجة مطابقة للحقيقة مما يسمح ببلورة اليقين حول الموضوع المعين ومن الجهة المقصودة.
من المسلم أن العقل لايمكن أن ينتهض له حكم إلا بالاستناد على معطيات توفر له عناصر ومقدمات الحكم ، الذي تكون محصلته النهائية هي اليقين.
وذلك يطرح عندنا أهمية (الإطار المرجعي) الذي يعتمده العقل ويستند عليه في تأسيس أحكامه ... باعتبار أن هذا الإطار هو الذي يمده بتلك العناصر والمقدمات ... فما هو الإطار المرشح هنا ؟
ويمكننا أن نتبنى هنا أن نتبنى تقسيماً منطقياً يقول : بأن هذا الإطار محل الاهتمام هنا ، أما أن يكون :
1- من داخل العقل – هو في ذاته .
2- من خارجه – مفصول عنه .
ولكي نأتي على الأمر من أساسه نقول :
لقد تقرر عندنا سابقاً :
1- أن العقل المعزول عن المعارف ما هو إلا مفهوم ميتا فيزيقي، غير علمي ، ولايمكن تصوره ولا البرهنة عليه أو التسليم به .
2- أن المعارف المكونة لابد وأن تكون قد استندت في مراحل تكونها على معارف سابقة ... إلى أن ينصرم تسلسلها إلى النظام البدهي.
إذن فالنظام البدهي هو الإطار الأساسي والأولي هنا .
فما هي حقيقة هذا النظام ؟ وما هو دوره في تحصيل المعرفة ؟ وهل يمكن أن يؤسس اليقين المعرفي الحائز على القيمة الموضوعية المنتهضة بالمطابقة ؟
أولاً وقبل كل شيء تجدر الإشارة إلى أنه لا يهمنا في "النظام البدهي" موضوعه الماهوى، أو جوهره أو معدنه أو لطائفه أو أصله ... ما دامت المعارف المكونة عنه لا يمكنها – موضوعياً – أن تتجاوز على كل أكثر تقدير مستوى المعطيات المجردة جداً ، وهو مستو غير قادرة على تسلق جدار "الحقيقة العلمية" بأي حال .
ولكن ما يهمنا هنا بالضبط ، وما يعنينا هو (دوره ووظيفته) في سياق الكل الذي ينتمي إليه ... سياق "التفكير " وانتاج المعرفة وتحصيلها ، أو تطويرها وتنميتها ... سياق (سلطته المعرفية ) التي يمارسها على هذا الحقل أو ذاك.
وهذا بالضبط ما يعنينا فهمه ، وما يمكننا تحليله بواسطة معطيات حقله التي يمكن اكتشاف حضور سلطاته الفعلية فيه.
إذا تقرر ذلك واتضح فلنقدم بين يدي الإجابة بمقدمة تمهديه إجرائية، فنقول :
لاشك أن العقل لا يقبل مناقضة قوانينه، وتلك مسلمة أولية لاجدال فيها ... بيد أنها تنطوي على بساطة مضللة جداً ، وهذه البساطة تغرينا بتجاوز جملة من الإشكالات التي تتزاحم في لب هذه المسلمة البدائية الساذجة.
ويمكننا إجمال هذه الاشكالات في الأمور التالية:
( أولاً ):
إشكال موضوعية القوانين التي يسترشد بها العقل ،وموضوعية تأسيسها ، وأهمية تلك الموضوعية في تأسيس المعرفة.
( ثانياً ):
إشكال مظاهر الرفض المعبرة عن عدم قبول المناقضة ، من حيث أهميتها الموضوعية أيضاً في تأسيس المعرفة.
( ثالثاً ):
إشكال حيادية النظام البدهي في غير المستوى البسيط للحقائق المقدمة له ، وأهمية تلك الموضوعية في تأسيس المعرفة.
وتأتي أولية المسلمة ، وبذلك المظهر البسيط ، من حقيقة أن عدم إقرارها سيعنى بالضرورة، هدم النظام العقلي بالكلية ومن أساسه .. مما يؤول به إلى العدم.
لأن قبول المناقضة – ببساطة- لا يعنى سوى قبول القانون المغاير... وإذا كان ذلك كذلك ، فأي معنى يمكن أن يكون للعقل بعدها ؟
سؤال استنكاري قد يعرض بطريقة بداهية،لا يثير فينا أي فضول، ولا يسترعى عندنا أي انتباه ... ولاشك،ولكن في الوقت الذي ننقاد له بسلاسة، نكون قد أعرضنا عن حقيقة احتضانه ورعايته لنواة الإشكال وعقدته الجوهرية وبشكل مكثف.
ونحن سنعكس الأزمة بشكل طريف جداً فيما لو توجهنا بالسؤال إلى أنفسنا ، وبوحي من السؤال السابق ، لنقول :
إذا كان العقل لا يقبل مناقضة قوانينه ، فمن هو الذي قبلها ؟ والفرض وقوع الخطأ في أحكامنا بلا مراء ؟
ولاشك أنه لا يصح القول بأن ذلك واقع في كل مستوى من مستويات المعرفة في العقل ، وإلا لما صح السؤال من أصله – ضمناً -،بل ولما انتهضت تلك المسلمة من باب أولى ، والفرض أنها منتهضة بل وتحمل شيئاً من الصداقية التي تبرر بعض ما تمارسه علينا من تمويه وتضليل.
إذن ابد لنا – كخطوة إجرائية – من أن نكشف عن ماهية هذا المستوى الذي يمكن أن يقع فيه الخطأ أولاً.
وهذا يستدعي أن نعقد ممايزة بين مستويات المعرفة إجمالاً، لكي نحدد أيها يمكن أن يتعلق به الإشكال ، ومعرفة أهمية ذلك في تأسيس اليقين.
هذه المستويات يمكن أن نحددها من خلال النظر إلى العقل من خلال حيثيات ثلاث ، هي :
· العقل كأداة .
· العقل كمحتوى .
· العقل كخاصية ذاتية .
أولاً : ( العقل كأداة ):
والمقصود (العقل الفاعل) والمؤسس والمنتج للأفكار والآراء والتصورات ... انطلاقاً من أفكار وآراء وتصورات وقواعد سابقة قارة.
ثانياً : ( العقل كمحتوى ):
والمقصود العقل السائد، كجملة من الآراء والتصورات والأفكار والقواعد والمبادئ التي توجه التفكير ، وتؤطر الرؤية.

ثالثاً : ( العقل كخاصية ذاتية ):
والمقصود هنا العقل الكوني، وهو تلك الفاعلية والنشاط الذهني الذي يتميز به الفرد الإنساني عن الحيوان ، أي من حيث كونه إنساناً عاقلاً بلا مزيد.
ولاعتبارات ستتضح لاحقاً سنسلط الضوء على هذا العقل الكوني ، فنقول :
إنه باعتباره فاعلية ذهنية مميزة للإنسان عن الحيوان ، فهو قائم على :
1- الفاعلية الذهنية أو النشاط الذهني المستند على آليات العقل الأساسية .
2- مجموع المبأدي والقواعد والقوانين التي تعتمدها هذه الفاعلية في تحصيل المعرفة ، باعتبار أن النشاط الذهني يقوم أساساً على مبادئ وقواعد وقوانين مقررة.
وبناء على ذلك فهو قادر على التأمل والفهم والنظر والبحث والدراسة والاستقصاء ... الخ ، قادر على ممارسة سلطاته على مستوى معين من مستويات المعرفة وبشكل (يقيني / معياري)..والعقل بهذا المعنى يعد حداً مشتركاً بين العقول الثلاثة المذكورة .
فالعقل السائد : يتشكل محتواه من :
1. قواعد وقوانين (العقل الكوني) .
2. قواعد وقوانين مكونة بفاعلية معتمدة على مجموعة أفكار وآراء وتصورات سائدة ، وهي تختلف من إنسان لآخر ، ومن ثقافة لأخرى ومن بيئة لأخرى ، ومن زمن لآخر ... الخ
والعقل الفاعل : باعتباره ينتج استناداً على أفكار وتصورات وآراء وقواعد وقوانين سائدة قارة ، وهذا (السائد) يتشكل محتواه أيضاً من :
1- قواعد وقوانين (العقل الكوني) .
2- قواعد وقوانين (العقل السائد) ، في زمن ما وثقافة ما ... الخ !!
إذن فالعقل الكوني بمعناه السابق – كخاصية ذاتية للإنسان العاقل بلا مزيد – وبما تقومه من فاعليات وآليات وقواعد تمكنه من ممارسة سلطته بشكل (يقيني / معياري) وعلى مستوى معين من مستويات المعرفة ، يجعل من هذه المستويات – كمجال لفاعليته – تتحدد بوصفها واحدة عند جميع الناس بلا فارق ، من جهة قيام أصلها المنتج لها ، وقدرته على ممارسة سلطاته كاملة وبشكل كافٍ على هذا المستوى المشترك المعين.
فهي بذلك لا تتغير ولا تتغاير من فرد إلى فرد ومن أمة إلى أمة ، ومن ثقافة إلى ثقافة ، ومن زمن إلى زمن .
إذن فالعلم والمعرفة عند هذا المستوى ضرورية يقينية ، ومنطقية عند الجميع باستثناء المرضى والمجانين .
ومما تجدر ملاحظته هنا هو أننا قد حددنا العقل من خارجه، عن طريق علاقته ظاهرية إلا أنها يقينية، هذه العلاقة تحدد لنا جهة التناول هنا ، وهي المتعلقة بالجانب الوظيفي للعقل ، كما سبق وأن أشرنا ، وعلى هذا الأساس سنقوم بنوع من التفكيك لمحتوى العقل الكوني المشتمل على مجموعة القواعد والقوانين والمبادئ التي تتكئ عليها آليات هذا العقل لإنجاز نشاطها وممارسة فاعليتها وسلطاتها بشكل (يقيني / معياري).
فما هي أنواع هذه القواعد والقوانين من حيث هي محتوى (للعقل الكوني) ؟
أنه وببساطة يمكننا ملاحظة نوع اختلاف قائم بين مكونات هذا المحتوى ، بحيث يشرع لنا تقسيمها إلى ثلاثة زمر ، هي :


الزمرة الأولى :


وتحوى القاعدة الأولى والأساسية ، المؤسسة لأي حركة تجاه الإدراك، والتي بدونها لا يمكن أن تتم عملية الإدراك أصلاً.
وهي تقوم بمفهوم الهوية (كمعنى إيجابي ) قائم على أن الشيء هو ولايمكن أن يكون غيره ، (وكمعنى سلبي) قائم على أن الشيء لايمكن أن يكون هو وليس هو في أن ومن جهة واحدة وعلى محل واحد .

الزمرة الثانية :


وتحوى القوانين (المنعكسة) والمولدة عن مفهوم الهوية – بمعنييه - ، عند الاحتكاك بالواقع والتعامل معه ، بحيث تنعكس عن طريق ذلك جملة قواعد ومبادئ وقوانين تفرض كمعارف (أولية) ، متحصلة عن طريق الاتصال بالواقع ، استناداً على مفهوم "الهوية" وبفعل نشاط (آليات) العقل الأساسية.
وبالتالي فهو كمستوى معرفي أولي يمكن للعقل ممارسة سلطاته عليه بشكل (يقيني / معياري)!
إذن فهذه الزمرة تشتمل على جملة القوانين الأولية المركبة مباشرة على مفهوم الهوية كقانون أساسي مؤسس .
ومن ذلك : قانون العلية ، قانون العدم ، قانون الثالث مرفوع .... الخ.
الزمرة الثالثة :

وتحوى قوانين (الخبرات الكلية المكثفة ) الضرورية ، والمستندة – بالضرورة – على قواعد ومبادئ وقوانين الزمرتين السابقتين كموجه عند التعامل والاحتكاك المستمر مع الواقع .
هذا التعامل القائم على التجربة التلقائية ، والاحتكاك الضروري ، يؤدي إلى تكثيف الخبرات في قوانين كلية ضرورية ، تشكل معطيات معرفية يقينية.
إذن فهذه الزمرة تشتمل على جملة (المعارف اللاشعورية ) ... كمحصلة للاحتكاك والتجربة الواقعة من خلاله وبتوجيه من قواعد وقوانين ومبادئ العقل الأساسية والأولية.
من ذلك : معرفة القبل والبعد ، والكل والجزء ، والأصغر والأكبر .... وكذلك معرفة أن لافعل إلا بقدرة ،وإن لا انتقال إلا بحركة ... وجملة "الانطباعات" الأساسية الأولية المنبثقة عنها ... ومما ينبغي ملاحظته هنا ثلاثة أمور :
الأول:
كون هذه الزمر الثلاث حاوية للعناصر "الضرورية" ، لانتهاض عملية التفكير من الأساس وهذا يعني أنها: يقينية – ضرورية- كونية.
فان حركة التفكير موجهة بالضرورة بوحي من هذه المبادئ والقواعد الكونية الكلية.
بالتالي فان هذه المبادئ تفرض نفسها كمعطى (يقيني – ضروري- أساسي ) في عملية التفكير.


الثاني:
كون هذه المبادئ والقواعد والقوانين ، يمكن التمييز بينها من حيث إمكان تصور تأسسها من عدمه، لتكون بذلك قسمين :
1- قسم بالإمكان تصور تأسسه .
2- قسم ليس بالإمكان تصور تأسسه .
القسم الأول : ويشمل :
أ‌- القوانين المنعكسة والمولدة عن نظام الهوية الأساسي .
ب‌-قوانين الخبرات المكثفة.
وذلك باعتبارها تأسست تالياً من خلال الاتصال بالواقع والاحتكاك به مباشرة.
بالتالي فانه بالإمكان إدراك معنى كونها ممكنة التصور من حيث تأسسها ، بغض النظر عن البرهنة على ذلك عملياً.
القسم الثاني : ويشمل :
القانون الأساس – فقط – الهوية- بمعنييه السلبي والإيجابي -،باعتباره معطى يفرض نفسه علينا ابتداء ، ودون أن يكون في إمكاننا تصور تأسسه ، خلافاً لمعطيات القسم الأول ، باعتبارها استندت في تأسسها على هذا القانون الأساس وبتوجيه منه ، وبالتعامل مع الواقع الخارجي (كإطار مرجعي) أساسي في تكونه.
أما معطى هذا القسم فباعتباره آخر نقطة يمكن تصور العودة إليها ، باستخدام العقل نفسه ، وهنا في هذه النقطة ، ليس هناك ما يمكن أن يستند أليه حتى يمكن تصور تأسسها.
هذا وبغض النظر عن كونه معطى مودعاً ابتداءً في عقل الإنسان ، أم كونه قابلية عند الإنسان فذلك مبحث ميتا فيزيقي ليس من غرضنا النظر فيه ... إنما محل النظر هنا كونه معطى أساسياً ينبني عليه كل ما هو بعده ، ولاينبنى هو على شيء.
الثالث::
كون جميع المبادئ والقواعد والقوانين التي اعتبرناها العناصر المكونة للعقل كخاصية ذاتية و كمحتوى و كأداة ما هي إلا معارف تأسست لاحقاً ، ولذا قلنا بإمكان تصور تأسسها ، فيما عدا القانون الأساس، فهو معطى لايمكن تصور تأسسه.
بالتالي فان هذا المعطى، لا يمكن البرهنة عليه ، بل التسليم به – فقط - ، كما انه لا إطار مرجعي له ... إذ هو مركز الثقل و آخر نقطة في التفكير، خلافاً للقوانين والقواعد والمبادئ التي تليه ، إذ بالإمكان تصور تأسسها ، وتحديد إطارها المرجعي باعتبارها تكونت عن طريق الاتصال بالواقع الخارجي .
وبعد هذا التقديم الإجرائي ، نعود فنقول : باعتبار أن النظام البدهي هو الإطار المرجعي الأساسي الذي يعتمده "العقل المجرد" في تحصيل المعرفة (كمنطق / يقيني/ معياري) .
فما هي إمكاناته في سياق تحصيل المعرفة وهل يمكن أن يؤسس اليقين الموضوعي ؟
إن "النظام البدهي" يتقوم في حقيقته النهائية "بقانون الهوية" – بمعنييه - ، بالتالي لابد لنا من تحديد مفهوم الهوية، ويمكننا ذلك بإجماله في ست نقاط تعبر عن حقيقته وطبيعته مما يسمح لنا بالتعرف على مدى ما يمكن أن يمدنا به في سياق تحصيل المعرفة ، وتأسيس اليقين :
أولاً : كونها حقيقة (تصورية) عملية ، غير متشخصة ، ولا مبرهن عليها ... باعتبار تمركز الثقل عندها ، فقد عرفت بآثارها من غير تصور لهيئة أو شكل ...وإلا كانت متشخصة – مشاهدة أو متخلية – وهي ليست كذلك ... إنما هي موجودة بآثارها ، بحيث يمكن للعقل أن يدرك معنى تغاير الهويات وانفصالها ، ومعنى التناقض ... إذ هكذا وجد .
وباعتبارها (مركز الثقل ) وكل تصور لابد أن يكون مستنداً على اعتماد معناها ، وكل برهنة لاتتم إلا بذلك أيضاً ، فانه لايمكن البرهنة عليها إلا بأمر خارج عنها ... وأي شئ يمكن أن يكون ذلك؟
ثانياً: كونها حقيقة بسيطة غير مركبة.
باعتبارها مفهوم (إطلاقي) مجرد ، لا تتعلق به النسب بحال ، بالتالي لايمكن أن نتصورله تركيب .. إذ التركيب لا يكون إلا مع تصور الانفصال ، والانفصال يستلزم نسب وجهات.
وإذا كانت حقيقة الهوية،ذهنية متحررة من النسب بإطلاق ، وليس لها وجود في الخارج ، فلا يمكن أن تكون مركبة بحال.
ثالثاً: كونها حقيقة غير منحازة ، باعتبارها شاملة لكل شئ - موجود وغير موجود – وإذا كان التعرف على الشيء أو الماهية لايتم إلا بادراك تمايزه وانحيازه عن غيره ، وكانت حقيقة الهوية معبرة عن كل شيء، وباعتبار أن لكل شيء هوية ، فأنها لا يمكن أن تكون منحازة عن شئ ، وإلا فالهوية ستنحاز عن ماذا ؟
إذ ليس هناك ما يمكن مقابلتها به بحيث يمكن أن تنحاز عنه ... فهي شاملة معبرة عن كل شئ .. فهي غير منحازة عن شئ .
رابعاً: كونها غير قابلة للتحول إلى نسب جزئية تتمثل فيها ، لأنها بسيطة غير مركبة ، فلا يمكن أن نتصور لها كيف أو كم أو أين أو متى ... الخ ، فهي مفهوم إطلاقي مجرد ، لذا فهي غير قابلة للتخصص لفقدان التمايز والانفصال ، بالتالي فهي غير قابلة للتحول إلى معرفة لعدم تعلق النسب بها.
خامساً: كونها حقيقة عدمية لاوجود لها في الخارج ، فباعتبارها مفهوماً مجرداً يعبر عن انتقال الماهيات، فان ذلك يعني أنه معبر عن كل شئ ... لأن لكل شئ ماهية.
فهي إذن،كلي إطلاقي ، ولايمكن أن يتصور له جزئيات في الخارج ، لإن الجزئية التي يمكن افتراضها هي في حقيقتها (هوية) مما يعنى أنها ليست إلا هوز
بالتالي، فلا يمكن تصوره ولا القول بوجوده في الخارج ... ومن هنا جاءت العدمية.
سادسا: كونها حقيقة لا تتقرر فاعلية حضورها إلا بافتراض تقرر فاعلية غيابها في موضوع الحكم.
ولا يمكن أن تتقرر فاعلية الغياب إلا بشرط حضور الماهية، .. أي أن فاعلية حضورها مشروط بفاعلية غيابها.
لأن الماهية في الخارج لا يتقرر حضورها وانحيازها وتغايرها إلا بتقرر فاعلية غياب غيرها من الماهيات.
وإذا كانت حقيقة الهوية المطلقة معبرة عن كل الماهيات بلا انحياز – سواء كانت هذه الماهيات حاضرة أم غائبة – فتقرر فاعلية حضورها لا يمكن إلا بافتراض تقرر فاعلية غيابهاز
وبهذا التحديد يمكننا أن نلاحظ أن الحقيقة الكامنة وراءه هي كون القوانين الأساسية للنظام البدهي لا يمكن أن تمدنا بأي معطى سوى معطى واحداً ، كفكرة مجردة لاغير ، مفادها:
إن الماهيات في الخارج منفصلة ومتمايزة ولا يمكن أن تتداخل.
إذن فالقوانين الأساس تقف عند حد التمايز والانفصال كحقيقة مجردة ، كمعطى (يقيني/ معياري) بلا مزيد ، وهذا المعطى لا يمكن له،أن يمدنا بأية معرفة إضافية غير ذلك ، كما لا يمكنه أن يؤسس لنا يقيناً "كمحصلة نهائية" نتوج به معرفتنا حول موضوع أو شئ ما.
إذن فمن أين لنا أن نتعرف على كون هذه الماهية المعينة أو تلك منفصلة عن غيرها وأنها ليست هي ؟ ومن أين لنا أن نحكم بذلك بشكل يقيني ؟
لاشك أن المعطيات المعرفية التي ندركها ذات مستويين :
أولاً : المستوى الأولي : وهو يشمل القواعد والمبادئ والقوانين كما حددناها عند الحديث عن (العقل الكوني) وهي :
1- "الهوية القانون الأساس المؤسس.
2- القوانين الأولية المنعكسة والمولدة عن القانون الأساس بعد الاتصال بالواقع .
3- قوانين الخبرات (الكلية) المكثفة ، المستندة على القوانين الأساس والقوانين الأولية.
ثانياً : المستوى المستأنف : وهو يشتمل على القواعد والمبادئ والقوانين التي تأتي لاحقة لقوانين المستوى الأولي واستناداً عليها ... وهي جملة المبادئ والقوانين التي تتقرر وفق التطور التدريجي للعقل وعلاقته بالكون والإنسان والحياة.
وقد أشرنا إلى أن جميع هذه المبادئ والقوانين كمعارف مكونة إنما استندت على إطار مرجعي خارجي هو الظواهر والأشياء والموضوعات المعبرة عن الوجود (الكوني – الطبيعي – الإنساني ) بالجملة، فيما عدا القانون الأساس.
وقد عرفنا في دراسة سابقة أن هذه الظواهر والموضوعات ذات بعد محايد لا يمكن أن يفرز مفهوماً أو تصوراً ما حول حقيقتها وطبيعتها.
فما هي الفاعليات التي تترجم هذه الظواهر والموضوعات إلى قوانين ينطوي عليها العقل ويتحدد بها ويوظفها في صياغة غيرها ؟
انطلاقاً من كون الظواهر والموضوعات في ظاهرها حقائق مصمتة تتطلب إجراءات استنطاق وترجمة ، مما يستدعي جملة الآليات والمناهج الضرورية لهذا الاستنطاق وتلك الترجمة ، والتي تتوج بصياغة "القانون" .
إذن فهذه الآليات والمناهج كفاعليات في العقل ، هي التي تعكس الواقع الخارجي ، لتتم ترجمة وصياغته في قانون كلي كمحصلة معرفية نهائية.
والسؤال هنا :ما هي هذه الإمكانات المفترضة للآليات ،التي يوظفها العقل المجرد لعكس الواقع على المستويين الأولى أو المستأنف ؟
إن النشاط الحيوي للآليات الذهنية لا يتم تحديده، انطلاقاً من قدرة هذه الآليات على الحركة في هذا المجال أو ذلك ... لأن ذلك لا يعكس أي معنى على صعيد المعرفة،إنما يتحدد فعلياً بمدى ممارسة هذه الآليات لنشاطها كسلطات لها الصلاحية و الكفاءة الكاملتين، لفرض قوانينها ونظامها على مستوى من مستويات المعرفة .
والآليات البدائية – كأوليات ذهنية – لاشك أنها قادرة على ممارسة نشاطها بجدارة عند المستوى الأولى من المعرفة والمباشرة للنظام البدهي ... بحيث يمكنها كفاعلية ذهنية عكس الترتيب والنظام الحقيقي للأشياء كما هي عليه في الخارج ... مما يعني انتهاض المطابقة المؤسسة لليقين كمحصلة نهائية.
بالتالي فان المستوى الأولى بمعناه السابق ،يتمتع بقيمة معرفية (يقينية / معيارية) ، بالنظر إلى الطبيعة البسيطة لموضوعه..وإن عدم اعتبار يقينية هذا المستوى،سيعود بالشك على معرفة العقل برمتها.
إذ أن كل المعارف التي يتحدد بها العقل في المراحل المستأنفة مستندة على ذلك المستوى الأولي بالضرورة.
فإذا كانت معطيات هذا المستوى،غير يقينية-بالفرض- جاءت النتائج المبنية عليها غير يقينية كذلك.
وذلك يقودنا إلى السؤال الذي يطل علينا برأسه بإصرار، وهو يقول :
إنه مادامت الفاعلية الذهنية لهذه الآليات – بالفرض- تجعلها قادرة على عكس الترتيب والنظام الحقيقي للأشياء ، فما جدوى الطعن في فاعليات العقل المجرد باعتباره يوظف هذه الآليات كأساس لتحصيل المعرفة ؟
سؤال مهم جداً ... إلا أن أهميته لاتكمن في حقيقته وفحواه المباشر البسيط ، إنما تكمن في كونه يكثف جانبا (حيوياً) وهاماً من محاولة "التضليل" الذي يمكن أن تمارس عند الانسياق وراء هكذا أسئلة ، بيد أن هذا الجانب يمكن أن يتضح عندما نوجه السؤال الأكثر جدارة ومصداقية بدلاً من ذلك، فنقول :
وهل نجحت هذه الفاعلية في ذلك المستوى الأولي من المعرفة ألا لكونها انعكاساً تجريبياً للأشياء ؟
وإلا فما الذي يقف وراء فشلها في بقية المستويات ؟
وهل يوجه أليها الطعن إلا من هذه الجهة ؟
إنه السؤال الحقيقي الجدير بكشف الأستار عن الإشكال ، وسواء قلنا إن سبب الفشل هو "القصور الذاتي" في هذه الآليات ، أم هو الموانع التي تعترض طريق ممارسة فاعليتها ونشاطها بكفاءة،فإن ذلك لن يغير من حقيقة:
إن الإعراض عن التجربة هو ممكن الضعف الأساسي والقاتل دون شك.
إذن فالمستوى المستأنف باعتبار أن موضوعه قد تجاوز "الطبيعة البسيطة" إلى التركيب والتغليف والبعد عن تأثير فاعلية الآليات البدائية، فسيظل أمر ترجمتة واستنطاقه وعكسه،رهيناً بإجراءات إضافية ضرورية تمكن من التعامل مع مواضيعه بكفاءة يمكن معها عكس حقيقتها في الذهن بصورة مطابقة تكون محصلتها النهائية هي اليقين.
وللوقوف على حقيقة الإشكال الذي يقودنا إلى جوا ب السؤال الذي وجهنا البحث لأجل الوصول أليه نقول :
قد تقرر لدينا أن محتوي العقل يشتمل على جملة من القواعد والقوانين والمبادئ .

وأن هذه القواعد والقوانين والمبادئ جميعها انعكاس تجريبي ، أفرزه الاتصال بالواقع عبر فاعلية الآليات وجملة الإجراءات الضرورية المستخدمة في تحصيل المعرفة.
واستثنينا من ذلك المبدأ الأساس الهوية كمفهوم مجرد معبر عن انفصال وتغاير الماهيات في الخارج بلا مزيد.
إذن فجميع المعطيات عداه ، هي لفيف من المعارف المستندة في تكوينها إلى الإطار المرجعي الخارجي.
وهي إما :
1- منقولات الحواس الخام من المتشخصات ، وهي قسمان :
أ‌- محسوس منضبط .
ب‌-محسوس غير منضبط .
2- منقولات الحواس من غير المتشخصات .
3- المعارف المزاوجة والمركبة والمولدة .
ويلاحظ أن قيمة التركيب والمزاوجة، مستمدة من إدراك الحقيقة كما هي عليه في الخارج ، لامن حيث هي معارف مزاوجة وحسب،بالتالي فهي راجعة في حقيقتها إلى الإطار المرجعي الخارجي .
إذن إذا فهي جميعها راجعة الى الخارج معبرة عنه بالفرض ، والخارج لا يتم إدراكه إلا بثلاثة :

1- المشاهدة المباشرة الكلية: بالوقوع المباشر على الشيء وإدراكه كاملاً .
2 – المشاهدة الجزئية:كمشاهدة جزء من استدارة الأرض والاستدلال به على بقية الاستدارة .

3 – مشاهدة الأثر : وهي المحصلة التي توجه العقل بشكل منطقي ضروري إلى دلائل موجودة فعلاً ، وسابقة لهذا الأثر في الوجود ... مثل مشاهدة الإضاءة كأثر للتيار الكهربائي الساري في المصباح عبر السلك وبعد الضغط على زر الإضاءة.
وباعتبار أن المشاهدة الجزئية ومشاهدة الأثر، لابد وأن تكون موجهة بالكلى المعبر عن الموضوع ، فانه يمكننا القول بان إدراك الخارج يتم عن طريق :
1- المشاهدة المباشرة .
2- المشاهدة + الكلى الاستقرائي القائم على المشاهدة .
وهناك أيضاً :
4- القرينة الجائرة :
هي جملة من التصورات النظرية،التي يمكنها أن تقدم تفسيراً منطقياً حول بعض الجوانب المتعلقة بظاهرة ما،على أن يكون هذا التفسير متناسباً مع قواعد العلم وقوانينه.
وتأتي هذه التصورات كمحصلة لجملة من الإجراءات النظرية المحددة،التي توجه فاعليتها الأساسية لضبط المنطق الداخلي المتحكم في مجموعة محددة من العلاقات والنسب ،من خلال معطيات حقلها الخاص.
وتكمن جدوى هذه المحاولة، من خلال القيام بصياغة نظرية لجملة من القواعد والمفاهيم والمبادئ التجريبية التي تمت بلورتها (كبنية) مترابطة ، تقوم على تصنيف مضبوط لنظام الأشياء والموضوعات.
وتعتبر هذه البنية،بمثابة المعطيات المنهجية،التي ينطلق منه لغرض اكتشاف المبدأ المتكفل بفرض النظام والانضباط على علاقات تلك الظاهرة، أو هذا الموضوع،أو تيك السلطة التي يمكن استنطاقها لمعرفة طبيعة المحددات المتحكمة في وجود هذه الظاهرة أو الموضوع .
والقرينة الجائزة هي المحصلة النهائية لهذه الفاعلية ، وهي المبدأ العام ، أو السلطة المنظمة التي تم افتراضها .
وهي – كخطوة علمية – تعد الخطوة الأساسية الأولى لهيكلة الفاعلية الموضوعية تجاه تأسيس الحقيقة العلمية.
وكمثال لها ذلك التفسير المنطقي الذي قدمه العلم لظاهرة الليل والنهار وتعاقب الفصول الأربعة.
حيث تم افتراض تفسيراً منطقياً مقبولاً قاضٍ بدوران الأرض حول مركزها مرة في اليوم ، وهو السبب المفترض لحدوث الليل والنهار ، ودورانها حول الشمس طوال سنة ، وهو السبب المفترض لتعاقب الفصول الأربعة .
بالرغم من ذلك ظل هذا التفسير قاصراً عن تحوله إلى حقيقة علمية ، ولم يعتمده العلم إلا من كونه تفسيراً منطقياً مقبولاً ، لم يأت من حقائق العلم ما يدحضه أو يقلل من أهميته ، بل عد من أمتن التفسيرات التي يفهم على ضوئها حدوث تلك الظواهر .
إذن فكل ما يدعيه العقل المجرد ويسعى للبناء عليه راجع إلى الخارج.
فهو إذن الإطار الذي يجب أن يحتكم أليه ، ويتوجه به ، التزماً بأصوله وقواعده ، لأنه لايمكن فهم الأشياء والموضوعات إلا بتوجيه من نظامها الخاص.
فهل التزم العقل المجرد بذلك عند تحصيله للمعرفة أو إنتاجها ؟ أم عند تأسيسه لليقين؟
أولاً: المستوى الأولي:
لاحظنا فيما سبق أن المعرفة في مستواها الأولي ضرورية ، بحيث تفرض نفسها على العقل ، نتيجة الاتصال بالواقع عبر الآليات الأساسية للنشاط الذهني ... هذا الاتصال يستدعي نوعاً من التجربة، من شأنه أن يعكس المفاهيم والتصورات التي تتعلق بالموضوعات والأشياء ذات الطبيعة البسيطة،بحيث تصاغ على هيئة قوانين كلية، تكون المعرفة المتعلقة بها(يقينية / معيارية) ، وموضوعها كما عرفنا يتعلق بالتالي :
1- بالقوانين المنعكسة والمولدة عن القانون الأساس ، كقانون العلية ، والعدم ... الخ .
2- قوانين الخبرات المكثفة ، الموجهة بالقانون الأساس والقوانين المنعكسة الأولية ، مثل لا انتقال إلا بحركة ، أو مفاهيم الأصغر والأكبر والجزء والكل ... الخ
إذن فالعقل عند هذا المستوى قادر على ممارسة سلطاته وتوظيف الآليات الأساسية التي ستكون قادرة على ممارسة نشاطها بكفاءة كاملة.
بالتالي فان تحصيله للمعرفة عند هذا المستوى وتأسسه لليقين (ضروري/ منطقي) بحيث تنتهض المعرفة عنده (يقينية / معيارية ) .
ثانياً : المستوى المستأنف:
أما فيما يتعلق بهذا المستوى فباعتبار أن موضوعاته تتجاوز الطبيعة التي يمكن للعقل أن يمارس عليها سلطاته بكفاءة ، فأنها تستدعي كما عرفنا سابقاً جملة إجراءات وآليات ومناهج إضافية ضرورية.
فالعقل لا يستطيع أن يمارس سلطاته دون أن يدرك الارتباط الحتمي،بين الأشياء موضوع الحكم ، بادراك علاقة السببية القائمة بينها ، فإذا تجاوزت الموضوعات والأشياء الطبيعة البسيطة التي يمكن معها اكتشاف هذه العلاقة بسهولة ، فأنها ستكون (مركبة – مغلفة – بعيدة عن مجال تأثير فاعليات العقل البدائية ) ، الأمر الذي يحجب عنه إدراك العلاقة المعنية إلا بإجراءات التفكيك والتحليل والاستقراء وتمييز خواص الأشياء والسبر والتقسيم ... الخ .
والعقل المجرد باعتباره يعتمد النظام البدهي كإطار مرجعي أساسي، ويوظف الآليات الذهنية البدائية في تحصيل المعرفة ... فإن فاعليته وسلطاته غير قادرة على العمل بكفاءة واقتدار ،إلا على المستوى الأولي لاغير.
بالتالي فان دخوله للحقل المستأنف بهذه الفاعلية البدائية،لا يشكل في حقيقته النهاية أي انجاز يتسم بالطابع الموضوعي .
فإذا كان اليقين الموضوعي،رهيناً في الأساس :
1- بمطابقة الأشياء والموضوعات في الخارج .
2- وبإمكان المعايرة والاستعادة .
ألا يعنى ذلك ضرورة التوقف على ما تعطيه التجربة للعقل ، وما يمد به العقل معطيات التجربة ، ليكون العقل شاهداً على التجربة وسلامتها ، والتجربة شاهدة على سلامة العقل ليصبح العقل هو المقنن للتجربة ، والتجربة هي التي تمد بالمعارف الصحيحة .
سواء كانت التجربة حسية أم عقلية ، وهذا هو ما يعطي المبرر على الدوام للتحليل الموضوعي للعقل "الفاعل – السائد" ، ونعني بذلك ، التحليل الموضوعي العلمي لجملة المباديء والقوانين والإجراءات التي تشكل فاعليات انتاج المعرفة واساسياتها ونظامها مما يسمح بتعرية هذه الأسس وتحريك الفاعليات وتطويرها واغنائها بمفاهيم وقواعد واجراءات جديدة فاعلة .
إذن فالإطار المرجعي الحقيقي فعلاً ، هو الخارج لا سواه.
إلا أن العقل المجرد – كما سبق وقررنا – ينطلق في اتساقات عقلية صرفة، غير معايرة بالتجربة انطلاقاً من صياغة الخبرات الحسية ومضمونها في فكرة أو قاعدة أو مبدأ – كخطوة أولى صحيحة- فيشيد بذلك عالماً جديداً من التصورات والمفاهيم لا يدري مامدى مطابقتها للواقع الخارجي.
استناداً على معطيات الحس أو بوحي منه ، أو استناداً على التجارب العامية ، وديالكتيك الاتساق الداخلي ، معرضاً عن التجربة العلمية المتسلحة بالأدوات الضرورية اللازمة ، التي هي وحدها القادرة على تصحيح المسار والمراقبة وإفساح المجال أمام العقل لينمو ويتجدد ويكتشف أخطاءه ومغالطاته.
فالعقل المجرد لا يقبل التجربة ، وتلك هي إحدى نقاط ضعفه (المميتة)، فهو لا يتقوم بالاحتكام إليها ولا يغير نتائجه بواسطتها ، ولا العمل بنتائجها في الوقت الذي لا يستطيع العقل فيه أن يمد نفسه بالأدوات اللازمة لتطوره وتحسين أسلوب عمله.
وإذا كانت الآليات التي يوظفها في هذا المجال لا يمكنها عكس الحقائق بمجردها إلا في المستوى الأولي و البسيط من مستويات المعرفة المباشرة للنظام البدهي،فان المعرفة خارج هذا المستوى ستظل بالنسبة للعقل المجرد، محض احتمالات ، لايمكن أن يتأسس يقينه فيها بشكل موضوعي.
فالوصف الذي يبرر به "النظام البدهي" حكمه على الشيء كونه مطابقاً أو غير مطابق ليس معطى خاصاً منبثقاً منه ... إنما هو بتوجيه من المعارف والمناهج التي قدمت له الشيء على كونه كذلك وحسب.
بالتالي فان تضمين "القيمة الموضوعية " لهذا الحكم لمجرد كونه معتمداً على النظام البدهي كإطار مرجعي ومنطق (يقيني / معياري) يعد ضرباً من ضروب الأماني والآمال المستحيلة المنال.
فان تلك الآليات والمناهج والمعارف تمارس سلطاتها على أوسع نطاق بالنيابة عن "النظام البدهي،بل وبمباركته أيضاً ، وذلك عندما تنجح هذه المعارف في تقديم نفسها على الشكل الذي يعطيها مضموناً قابلاً للتموه والمراوغة،بغية ملابسة هذا النظام ، ومباطنته والتحدد به.
والنظام البدهي بطبعه، ليس قادراً على اكتشاف فاعلية سلطاته وحضورها الجدي في هذا القطاع أو ذاك من قطاعات المعرفة المنجزة، إلا على المستوى الأولي البسيط.
والمعارف المنجزة بشتى تجلياتها وتمظهراتها قادرة على إنجاز شروط الاحتفاظ بإمكانات المباطنة والمسايرة لسلطات هذا النظام وأحكامه بشكل (صوري / زائف) .. رغم خضوعها العملي والفعلي الكامل لسلطات أخرى مقابلة بديلة.
فقوانين النظام البدهي اكثر مطاوعة و استجابة لعوامل التمويه والتضليل،كلما ابتعدت عن المستوى البسيط لهذا النظام ، مما يجعلها اكثر قابلية لاستيعاب أية حمولة، بغض النظر عن الخطأ والمجاوزة.
إذ النظام في المستوى المستأنف يعد فاعلية عمياء صماء ، غير قادرة على التمييز واختبار التغاير.
إذن فيقين العقل المجرد بذلك قابل للظن ، و الاحتمال وإذا دخل هذا الاحتمال إلى اليقين جعله قابلاً للدحض،وإذا قبل الدحض قبل البديل، وإذا قبل البديل يعنى أنه قبل الضد أو النقيض.
وهذا يجعل من اليقين المؤسس،يقيناً منتقضاً قبل أن يتأسس.فإذا تأسس بعد ذلك فلن يكون إلا يقيناً (نفسياً) ذاتياً لا يعرف معنى للموضوعية ... لأن اليقين الموضوعي يأبى أن يزاحم باحتمالات دونما أن يطردها بشكل علمي قابل للاستعادة .. معبر عن المطابقة.
وأنى ليقين العقل المجرد ذلك فعلاً ؟
إذن فاليقين المتحصل عن طريق فاعليات العقل المجرد فاقد للقيمة الموضوعية ، وبالتالي فإن يقينها هذا ، لا يمكن أن يكون معبراً ،عن المطابقه التي تؤسس "المعرفة الموضوعية" المتضمنة لإدراك الشيء كما هو عليه في الخارج .
إذن فاتخاذ المناسب بناء على هذا اليقين سيكون محفوفاً بالمغالطات ، والأخطار والمجازفات.
الخلاصــــــة: ...
إن العقل المجرد لا يوجه إليه الطعن من جهة كونه يعتمد على النظام البدهي كأرضية (يقينية / معيارية) ، لأنه لا يمكن لعقل أن يتأسس دون الاعتماد على النظام البدهي كقاعدة وأرضية أساسية، إنما يوجه أليه من جهة اعتماده لها كأرضية (يقينية / معيارية) وحيدة.
وهذا هو الفارق العميق بينه وبين المنهج العلمي من هذه الجهة.
إذن فالنظام البدهي – كأرضية يقينية – يعد عنصراً مهماً وأساسياً في جميع مراحل التفكير إلا أنه ليس العنصر الوحيد.
إنما هو العنصر المشارك من جملة العناصر المشاركة ... وإن كان أثقلها أهمية.
يبد أنه لا يمارس سلطاته الواعية إلا مع المواضيع والأشياء التي تسفر له عن حقيقتها البسيطة.
فهو نظام مدافعة ومنافاة لاختلاط الهويات وحسب ، حيث لا تفكيك لمركب ... ولاتحليل لمغلف ولا تقريب لبعيد .
فإذا قدمت له الأمور على أنها متباينة في محل واحدة ومن جهة واحدة وفي ذات الوقت ، حكم بالتنافي والتدافع ... هذا بغض النظر عن أمانة البطانة التي قدمت له هذه المعلومات.
ومن هنا كان نظاماً قابلاً لأن تزيف له كل حقيقة سوى حقيقة: أن الهويات متمايزة في الخارج أو ما ركب عليها بصورة مباشرة.
إذن فهو نظام يمكن أن يخدع وينخدع– بدون أي إشكال – في جميع مراحل التفكير.
ولا يمتلك الحصانة من أن يقاد الى حيث يراد له،إلا في المراحل الأولية من مراحل التفكير ، والتي يرجع الفضل فيها إلى الآليات البدائية التي عكست له حقائق تلك المرحلة بشكلها البسيط.
إذن فالعقل المجرد بذلك،غير قادر على تحقيق أية نجاحات تذكر على صعيد المعرفة والعلم، سوى في المستوى الأولي البسيط.
وما تحقيقه لبعض النجاحات ، ووصوله إلى بعض الحقائق في غير هذا المستوى إلا لاقتباسه شيئاً من تطبيقات "العقل العلمي" القائم على النظر و المشاهدة و الاستقراء ... وغير ذلك من الإجراءات اللازمة والشروط الضرورية التي يفرضها نظام وترتيب الأشياء في الخارج.
فإذا كان العقل لابد له من أن يتحدد وفق علاقة جدلية مع التجربة التي تعبر عن الواقع الموضوعي ، ليتم بناءه وهيكلته بما تمده به التجربة من معطيات فان ممارسات العقل المجرد القائمة على الاتساق الداخلي تعد تخريباً للأساس الذي ينبني عليه العقل، وقلباً للنظام والترتيب الذي ينبغي أن يتطور وفقه .
فالعقل يطمئن للمشاهدة , ويركن أليها , وإذا تعذرت عليه بشكل ما ، في أحد في مستوياتها البسيطة، بحث عن المكافئ المعياري،لأجل ملامستها والقبض على نواتها .
أما العقل المجرد فيلجأ إلى الحوار الداخلي مبتعداً عن الأساس الحقيقي ، معرضاً عن الشروط والقواعد التي يفرضها الحقل الذي زعم أنه يتحرك فيه.
وهنا لابدلنا من إشارة ضرورية :
فإذا كانت تلك هي القيمة الموضوعية لليقين في العقل المجرد، فما هي قيمته الاستدلالية البرهانية؟
إن فاعليات العقل المجرد الاستدلالية والبرهانية يمكن تكثيفها في العبارة التالية :
إنها فاعلية موجهة لصياغة جملة من المقدمات الملائمة لنتائج معدة سلفاً .
مما يجعل هذه المقدمات بلا ريب مجرد مواضعات مختارة ومرشحة لنصرة المنجز القار ، بتدابير نفسية (سيكولوجية)،ممزوجة بشظايا منتقاة من الوقائع والحقائق المكيفة.
وأن كان هذا الأمر ينطلق في وقت ما بتوجيه من قضية إيمانية أضفت عليه شيئاً من المشروعية أو المعقولية ، إلا أن ذلك ليس كافياً لجعله يتمتع بالضرورة العقلية المنطقية الموصلة لليقين الموضوعي الذي هو القضايا والمواضيع وبلا مراء .
فالاستدلال والبرهان في العقل المجرد غير ذي قيمة موضوعية) كذلك ‍!!

) الاطراد في القوانين (

وعلاقته بموضوعية اليقين وتأسسه.
عرفنا أن القيمة الموضوعية لليقين إنما تتحدد بأمرين :
1- انتهاض المطابقة .
2- إمكان المعايرة والاستعادة .
ولما كان العقل المجرد معتمداً في تحصيل المعرفة وتأسيس اليقين على غير الإطار المرجعي الحقيقي لذلك الأمر الذي ألجأه إلى الحوار الداخلي وتوظيف الآليات البدائية واعتماد المزاوجة بين الأنساق الداخلية فلذا كانت المعارف المنتجة بفعل نشاطات هذا العقل مفتقرة للموضوعية، باعتبارها قد تأسست بعيداً عن المعايرة والتوجيه من إطارها الحقيقي.
بالتالي،فالقواعد والمبادئ والقوانين" التي يتحرك بتوجيهها ، غير مؤسسة موضوعياً مما يعنى عدم ضرورة تعبيرها عن معنى حقيقي يمكن الحكم باطراده في الوجود.
ولذا كان اليقين المستند على مثل هذه القواعد والمبادئ والقوانين،غير ذي قيمة موضوعية أساسا.
وقد يوجه هذا الانتقاد إلى اليقين العلمي استناداً إلى احتمال (نظري) يفترض انخرام القوانين وعدم اطراديتها بإطلاق.
وقد رأينا تفكيك هذا المفهوم والتماس خلفياته المفترضة ، لبيان تداعيه وعدم موضوعيته من الأساس .. فنقول :
إن العقل لا يقرر إلا صدوراً عن قانون ، وما القانون إلا صياغة مجردة وعامة تعبر عن ثبوت علاقه أو تقرير نسبة أو وصف ما بشكل سلبي أو إيجابي – نفي أو إثبات – بحيث يكون هذا القانون معبراً عن انتهاض (ترابط وترتيب ما) داخل اطار موضوع معين ، وهذه مسلمة ميكانيكية بحتة .
ومن الخطأ الفادح جداً أن نعتقد بكون تموهات المعارف في العقل ،وسيطرة محمولها عليه – كما قررنا سابقاً – يدل على تناقض هذه المسلمة.
لاشك إن اعتقاداً كهذا لا يقف خلفه مدعماً سوى الجهل بطبيعة حركة العقل بالجملة.
فإن أي قرار منهجي يتجه العقل لاتخاذه لابد له من أرضية من القواعد والمبادئ والقوانين،سواء كان هذا القرار إجرائيا عملياً أم استدلالياً أم بيانياً ، فالعقل لا يتحرك إلا صدوراً عن قواعد ومبادئ وقوانين ، ولايتم له الانطلاق ولا يحرك فاعليات إلا بإجراءات وفقاً لقوانين .
وذلك يلخص العقل في كونه: قدرة و فاعلية على القيام بإجراءات حسب قوانين وقواعد.
وهذه القواعد و القوانين هي جملة المبادئ المستخلصة من (موضوع ما ).
.فماذا لو تصورنا أن هذه القوانين والقواعد و المبادئ المستخلصة بالجملة لا تتسم بالثبات والاطراد ؟
لاشك أن ذلك فرض مخيف ومرعب حقاً...ولا يمكن أن يتفطن لمقدار هذا الرعب وضخامته، ألا من عرف أن العقل برمته لا يتحرك، إلا انطلاقاً من قواعد و قوانين مستخلصة من موضوع ما ولا يحرك فاعليته مطلقاً إلا بذلك.
وأي عقل سيبني إذا افترضنا إمكان الشذوذ وعدم الاطراد في جملة هذه القوانين ؟
و لكي يتضح الأمر أكثر نقرر:
إن الأشياء والموضوعات – سواء كانت حسية " متشخصة " أم غير حسية – لايمكن اعتبارها إلا معطى (ابتدائياً) غير منتظم ، ولا متمايز بإطلاق.
إنما العقل بفاعليته وآلياته هو من يضفي عليها الاتساق والتمايز والنظام، انطلاقاً من مبادئ وقوانين صارمة يفرضها على تلك الأشياء والموضوعات ، بحيث تشكل هذه المبادئ والقوانين أرضية من المقدمات اليقينية – بالضرورة – التي يبنى عليها بفاعليته وآلياته، حركته تجاه فرض الاتساق والنظام على هذه الأشياء والموضوعات ، إذ أن النظر والتقليب والتمحيص .. أو الاستدلال أو البيان .. لاينتهض بحال، دون الانطلاق من قواعد وقوانين و التوجه إلى حيثية أو جهة أو زاوية نظر ما ... تتحدد كأساس لتحقيق غاية نهائية.
وتتعدد زوايا النظر (عمقاً .. واتساعاً ....وبساطة ... الخ ) بناء على تباين المستويات في كل مرحلة من مراحل الفاعلية والممارسة وذلك وفق ترتيب محدد ، يفترض معه جملة مفاهيم ضرورية مثل السابق واللاحق ، والقبل والبعد أو الكم والكيف ، أو الانفصال والاتصال ، والتأثير ، أو التأثر ، والزمان والمكان ، والاتساع والعمق ، والأصغر والأكبر والطول والعرض ، واللون والوصف ، والجزء والكل ، والثبات ، والأصل والفرع ، والنقص والزيادة .... بل والاطراد والشذوذ والتخلف .. .. إلى غير ذلك من المفاهيم والقواعد والقوانين الكلية التي ما كانت لتقوم لدينا أية معرفة (يقينية / معيارية) لولا الحكم باطرادها ... هذا الاطراد الذي لايعنى سوى استمرار معناها في الوجود ، عند الاتكاء عليها في تأسيس المعرفة ... بل ما كانت لتقوم لدينا أية معرفة بإطلاق.
إذ كيف يمكن أن نتصور لأي شئ أو موضوع هوية، دون تصورنا لاطراد خواصه الذاتية "التي هي مقوم الهوية؟
بل وكيف يمكن ان نتصور الخواص الذاتية، ما لم يطرد معناها في الوجود أصلاً ؟
ألا يعني عدم الاطراد هنا الارتداد على مفهوم الهوية ونقضه من الأساس؟
وهل ذلك إلا انتهاض التناقض؟
فما لا يتصور العقل معناه كيف يمكن أن يحكم عليه أو يعرفه أو يعين له حداً أو فصلاً أو نوعاً أو خاصية؟
و كيف يمكن أن يسلب عنه وجوداً أو عدماً ؟
وإذا كانت مفاهيم النوع والخاصية والعرض ... بل والوجود والعدم ، ليست مطردة المعنى في الوجود ،فكيف يمكن للعقل أن يتصور شيئاً ؟
نعم تلك هي محصلة ذلك الافتراض.
وهنا بالإمكان أن نتصور الخلفية المؤسسة لهذا الافتراض ومحاولة إجماله في عدة نقاط ، سنوليها شيئاً من التفصيل:
أولاً:
الظن بأن هذه المفاهيم التي ذكرنا لاعلاقة لها بالقوانين والمبادئ ، بالتالي لاعلاقة لها بالتخلف والاطراد .
ويمكن ملاحظة (تهافت) هذا الظن من خلال إشارة لطيفة،نضمنها السؤال التالي:
ألم يكن الوعي بالعلاقات المشتركة بين هذه الأمور، هو الذي نسجها ونظمها تحت سقف واحد حتى استحقت هذا الحكم المذكور ؟
لاشك أن الجواب سيكون بالإيجاب.
*إذا فما هو معنى القانون ؟
لابد و أن يكون هذا الظن ناتجاً عن جهل مفخخ بالمعارف "المضللة، التي لا تعبر عن حقائق الأشياء،إنما عن آمالها الخاصة، الانتهازية،المزيفة اللولبية.
ولكي يتضح الأمر سنضرب لذلك عدة أمثلة :

المثال الأول :
عندما لاحظنا أن "المعادن تتمدد بالحرارة و تنكمش بالبرودة ".... ولاحظنا أن لا علاقة "للون المعدن أو كثافته أو نوعه أو ظرفه،فيما لاحظناه ..بحيث لا يؤثر ذلك كله في اصل قيام "التمدد و الانكماش ،و قد دلنا على ذلك الاستقراء وتغيير التجربة ومعاودتها وظروف الملاحظة ...الخ،بالقدر الذي تمكنا معه من تقرير العلاقة المشتركة المعبرة عن النوع فقلنا: إن المعادن تتمدد بالحرارة و تنكمش بالبرودة .
وذلك هو "القانون المتحكم "في هذه الظاهرة –من هذه الجهة- ولا معنى للقانون غير ذلك .
ولم يكن عملنا بعد الإجراءات التي ذكرنا سوى صياغة الحقيقة بشكل (مجرد / صارم) معبر عن ثبوت علاقة أو تقرير نسبة أو وصف بشكل إيجابي أو سلبي ، مما يعكس انتهاض ترابط وترتيب ما داخل إطار الموضوع (المعدن – التمدد- والانكماش ) .

المثال الثاني :
أنه لابد للأصل حتى يكون كذلك ، من خصائص أو مواصفات قد تقرر بها (معناه) في الوجود .
ولولا افتراض الاطراد في كون هذه الخصائص حاملة لمعنى كونه أصلاً، لما تقوم بثبوته في العقل ولما تقرر اليقين به من الأساس.
وتلك الخصائص أو المواصفات ما هي إلا مجموعة كاملة من العلاقات بين أحاد الأصول تقوم بها ذاتية معناها ، فاشتركت فيه رغم تباين بقية النسب التي تشدها إلى "النوع" المعين.
فإذا قام العقل بتحويل هذه الخصائص والموصفات إلى مفهوم "مجرد صارم" ، صار هو القانون الوجودي لها .... وما كان ليتقرر لولا اعتباره مبدأ عاماً لكل أصل.

المثال الثالث :
أن الفرع لابد له من أصل .
ذلك مما استقر في العقل يقيناً، بحيث يعود الفرع لأصله الذي لولاه لما اعتبر فرعاً .
وبهذا يتحدد معنى كل فرع،أي بالنسبة الذي انتظم تحته، وهذا قانون منتظم في الوجود لايمكن إلا أن نتصور له الاطراد مطابقاً، وإلا انتقض التفكير من أصله.
أو ليس التفكير لعب حسب قواعد ؟
وما القاعدة إن لم تكن مفهوماً عاماً (مجرداً) تندرج تحته معاني مترابطة بمعنى (كلى) يقوم وجودها ؟
وهل يعنى ذلك إلا القانون ؟

المثال الرابع :
لاعلاقة بدون وسيط جامع ... ذلك مما استقر في العقل أيضاً ، إذ بدون "الوسيط الجامع" لايمكن أن يتأسس "اليقين المنطقي" .
فماذا لو لم يطرد معنى "الوسيط الجامع" في الوجود ، ولم يعد يحمل معنى التأهيل لأن يكون جامعاً ؟
فهل يبقى بعد ذلك تفكيراً أو يتقوم منطق أو يقين ؟
أليس تقرير حقيقة: أن لا علاقة بدون وسيط جامع" هو صياغة العقل العامة لهذه الحقيقة التي هي القانون ؟
فنحن لا نتعرف على شيء أو نعرف به إلا بإقامة نوع من الربط يقوم أصلاً على تقرير مبدأ يسوغ الربط .
وما معنى هذا المبدأ-بالضبط- إن لم يكن القانون المنحسم في الوجود؟!!
وهل يمكن أن يتأسس اليقين إلا باعتقاد الاطراد لهذه الحقيقة ؟!!
ثم ألا يعنى عدم الاطراد أن يحتمل المعنى المقرر في الوجود معنى الشيء أو الموضوع ونقيضه أو ضده في آن ؟!!
وكيف يمكن ترتيب العلاقات مالم يكن ثمة قانون مفترض اطراده ؟!
أم كيف تقرر الاتصال والانفصال ما لم يكن ثمة قانون يعتمد عليه في تقرير ذلك ؟!
وكيف نعين اللاحق والسابق ، أو علاقة الأصل بالفرع ... الخ.
أليس لأن قانوناً قد ثبت واطرد معناه في الوجود ؟!!
حقاً أن التعامل مع مجرد الألفاظ و المعارف واعتبارها صنفاً من أصناف الحقيقة،لهو إشكال واسع كبير،وإلا لما انتهض هذا الافتراض من الأساس.
ولكن لاعجب إذا عرفنا أن المعارف والآليات والمناهج التي أنتجته ليست قابلة للرصد ولا المراقبة ... ولا التحليل.
ثانياً:
عدم التفريق بين الأشياء والمواضيع ذات الطبيعة المركبة ، والأخرى ذات الطبيعة البسيطة.
إذ الأولى هي التي تحتوي على علاقات قابلة لتصور الانفصال والاتصال في الوجود ، وهي ما يتصور فيها قابلية الانخرام .
والانخرام هنا – بشكل مبسط – هو توقف سريان الفاعليات في جزئية ما من الجزئيات الواقعة تحت كلية القانون. كما يحدث عندما يسلب السكين خاصية القطع ، أو من النار خاصية الإحراق .
خلافاً للقوانين البسيطة في الوجود والتي لايمكن تصور انخرامها إلا بتصور ارتفاعها من الوجود بالكلية ... مثل "قانون الثالث مرفوع"،هذا بغض النظر عن استحالة ذلك من عدمه.
ثالثا :
عدم التفريق بين القوانين الأولية العامة والمباطنة لجميع القوانين المستأنفة ، وبين القوانين المتبلورة عنها.
فالأولى هي القوالب التي تملؤها العلاقات التي تشكل في صيغتها النهائية القانون المجرد المعبر عن الموضوع أو الظاهرة أو الحقيقة ، والمتحولة-في الأساس- من المعارف الخام على شاكلة:
القبل والبعد ، والأكثر والأقل ، والجزء والكل ، والأصل والفرع .
وهي المعارف اللاشعورية التي لابد من افتراض يقينيتها واطرادها،وإلا لما قام القانون أو انتهض في الوجود،بالنظر إلى أنها بمثابة الفراغات أو القوالب التي تتشكل فيها القوانين وبها
رابعاً:
أن ارتفاع قانون ما بالجملة لا إشكال فيه من الناحية المعرفية ، باعتباره لا يشكل على وعي التأسيس من أي وجه،بالنظر إلى أن هذا الارتفاع مستأنس ومألوف في نظر العقل،لكثرة انحسام مظاهره في الوجود ،ولذا فلا إشكال فيه البتة،غير أن الإشكال قد يطال الوظيفة العلمية للقانون وما ينبني عليها، وهذا أمر آخر.
خامسا:
أن احتمال انخرام القوانين المركبة بتخلف آحاد جزيئاتها ، لا يطعن في سلامة (اليقين العلمي) – من جهة هذه القوانين – من حيث اعتقاده بتأسس الحقائق على هذا القانون أو ذاك لان الاستمرار والاطراد لا يقود إلى هذا الاعتبار .
ومسألة الاحتمال من عدمه غير ذات أهمية هذا ما دام لاخيار بين اعتبار الأقل ، أو اعتبار الأغلب والأعم .. أو عدم الاعتبار مطلقاً وهذا ما لا يقبل .
ومن هذا المنطق كان اعتبار الأعم هو المقوم للحقيقة ، والقاضي بانتظام علاقاتها فيه ... وهذا القانون أو ذاك هو ما يبحث عنه "اليقين العلمي" ... باعتبار أن هذا القانون أو ذاك هو ما يعبر عن الظاهرة أو الموضوع، وتظل مسألة الاحتمال من عدمه تهم الدين أو الفلسفة عندما يتعلق الأمر بتقرير حقيقة معينة في الوجود وفقاً لذلك.
سادساً:
من الخطأ الساذج أن يظن بأن (اليقين العلمي) يعتمد في محصلته النهائية على جزئيات القوانين وافرادياتها .... إنما هو " بناء كامل" ، تؤسسه مبادئ وأصول مترابطة، تعبر عن "كليات القوانين" التي تم اكتشافها ، والتي تعطى معناها من الأساس العام ، وتستمد عناصرها قوتها ومحمولها وفاعليتها وتوصيفها من موقعها ووظيفتها داخل لكل الذي تنتمي أليه .
ولو افترضنا الخلل في هذه الكلية لافترضنا الاضطراب واختلال النظام بالكلية وهنا بالذات تكمن قوة اليقين العلمي،باعتبار كلية قوانينه هي الشرط " الضروري" للنظام الكوني برمته.
وهذا هو منطق اليقين الذي يتحدث به العقل العلمي.
ولاشك أن موقفه سيكون ضعيفاً، وعرضة لكل مطعن إذا كان منطقه يتقوم بجزئيات الظواهر والموضوعات.وهذا ما قد يبرر الدعاوى المعاصرة لإنشاء "علم كلام" جديد غير قابلة للانتقاض ، إلا بافتراض انتقاض النظام الكوني برمته أو انتقاض قوانينه.
ومن الخطأ الظن بأن هذه الدعوى قائمة على التوجه لاعتماد قيام "جزئيات القوانين" في افراديات المواضيع حتى يتصور فيها احتمال أو ظن.
إذن فهذا الافتراض القاضي باحتمال الانخرام لايمكن أن يتأسس إلا على جهل واسع بقوانين العقل نفسها ... بل وعلى تمسك اعتباطي ببقاء قوانين العقل كما هي مع فساد القوانين الكلية بإطلاق أو اختلالها.
إن افتراضاً كهذا يعنى أن نكذب نتائج مالا يحصى من الأبحاث الاستقصائية "المحددة" لما لا يحصى من الأشكال العامة للنظام الكوني والطبيعي والإنساني، التي شكلت المبادئ والقواعد والقوانين المجردة لهذا النظام.
وهل يمكن أن يفهم ذلك إلا في سياق انتظام العقل المنفعل ، في سياق رغباته اللاشعورية الجامحة في الدفاع عن الذات ؟
أليس العقل هو قوام الذات وسيد معناها؟
هل كان الدفاع في هذه الحالة إلا نتيجة الخوف من انتقاض القواعد والقوانين التي تأسس بها وعليها هذا العقل ، أو انتقاض ما شيد عليها انطلاقاً منها ؟!
وأي هم اكبر من ذلك وأعظم ؟!!
وعلى كل حال فان مسألة اطراد القوانين أن كانت تمس اليقين من جهة ، كما تمس العقل في أصلة من جهة أخرى – وذلك حسب افتراض تخلفها من حيث موضوعها ومحله في مستوى ما من مستويات المعرفة – فانه لا يمكن أن ينظر إلى إشكال "العقل المجرد" الجوهري بمعزل عن كونه معامل أساسي في ذلك..إذ أن العقل المجرد لا يمتلك مناهج ولا آليات (معيارية) يمكنها أن تكون نسقيه أو اطرادية،وعدم نسقيه و اطرادية آلياته ومناهجه تجعل من يقينه خالياً من الموضوعية.

وعلى كل حال ، ستبقى مشكلة البداية ، وستبقى مشكلة الانطلاق مشكلة البداية أهم إشكالات المعرفة على الإطلاق – ولسنا بصدد تفصيل أبعاد ذلك الآن – وسيكون دوماً على الإنسان أن يتقدم للاختيار من بين مجموعة هائلة من القواعد والمبادئ والقوانين – سواء وعى ذلك أم لم يعه – لكي ينجز أية عملية من عمليات المعرفة ، وهذا يستدعي بالضرورة الأرضية التي انطلق منها هذا الاختيار سلامتها اليقينية... الوعي بتأسيسها .. صلاحيتها للانطلاق لتقرير هذا الاختيار المعين... وكفاءة الفاعلية التي تم بها الإنجاز.
وقد عالجنا بعضاً من هذه الجهات ولعلنا نعالج بعضها الآخر في دراسات لاحقة.
وخلاصة القول ...
1- أن اليقين يتأسس استناداً على كون هذا القانون أو ذاك هو المقوم الذي انتظمت فيه علاقات الموضوع من جهتها.
وهذا أمر يقيني لالبس فيه .... إذ افتراض انخرامه من هذه الجهة يقود إلى افتراض تسرب الظن والاحتمال ، إلى الخواص الذاتية "المقومة" للأشياء.
وافتراض كهذا سيعود على قانون "الهوية" بالنقض رأساً، وبالتالي "نظام العقل" بالجملة.
أما قيام احتمال الانخرام فهو قائم أصلاً من احتمال اندماج علاقة إضافية تؤثر بالسلب أو الإضفاء ، مما يعنى انتهاض قانون آخر لا انخرام القانون الأول بالمعنى العدمي .
لأن افتراض خلاف ذلك هو افتراض أن لا يكون للأشياء أية "خواص ذاتية" مطلقاً.
والخواص الذاتية لا يتصور ارتفاعها إلا بارتفاع الشيء نفسه عند العقل ... وبالتالي فليس هناك إلا القول بأن احتمال الانخرام واقع ولكن بمفهوم الاندماج.
أي اندماج علاقة إضافية إنقاذاً لنظام العقل نفسه ... وإلا انهدم بالكلية.
2- إن اليقين العلمي كمفهوم عام غير متقوم بالجزئي – من حيث كونه كذلك – بل من حيث ما يجره هذا الجزئي من علاقات مرتبطة به بشكل منطقي مما يستدعي انخرام كلية نظامه التي يتبعها تسلسل كامل،تعتبر هي ذاتها حلقة فيه ... مما يؤهل هذا التسلسل للاختلال والعدم ... بالتالي إضطراب (النظام الكوني) بالجملة ... ومن ذلك "نظام العقل" نفسه الذي تأسس في مستوياته الأولى على ذلك النظام الكوني.
3- إن مسألة وجود الاحتمال في الجزئي المعين، لاتهم العلم في شيء ، ولاحتى المعرفة بشكل جدي، لأن المعرفة العلمية التي توضع كأساس للتفسير وكمبدأ للعلم قائمة على ضرورة الترابط ، ومن المستحيل أن يتم نقض هذا الترابط بدون التضحية بنظام العقل نفسه لأن التضحية بالاحتمال الرياضي الميت هي تضحية بنظام العقل برمته .




خاتمة لابد منها ...
من الأنصاف للحقيقة أن نقول بان (العلم) وما أنتجه من فاعليات ، لم يكن هو "السبب" في (موت) العقل المجرد واندثاره في تفكير الإنسان المعاصر وفلسفته.
بل إن حقيقة هذا أمرها لابد وأنها لم تراع الترتيب والتعاقب بين الأشياء – في هذا المقام – الذي ربما ينم عن موقف (دفاعي) – نفسي – عن الذات ، مدعماً بجهل مدقع لتاريخ وظروف وأسباب تأسس (العقل العلمي).
إذ أن هذا العقل ماكان ليرفع رأسه حياً لولا أن لفظ العقل المجرد آخر أنقاسه في مواجهة الظروف والعوامل "المضادة" حتى آخر لحظة .
إن "العلم المعاصر" الذي تجاوز (العقل المجرد) لم يتجاوزه بشكل (فلسفي) .. ولا بشكل (نفسي) كأثر لردة الفعل ... إنما تجاوزه بعد أن استنزف جميع إمكاناته واستفراغ كل طاقاته ، حتى صار عاجزاً عن مجاراة الظروف المضادة .
الأمر الذي مهد للدخول في عالم " التقدم والتطور" الذي نشهده في شتى المجالات وكافة المناشط .
إن إشكال العقل المجرد لايجب أن يتناول من سياق النقاش وعرض ووجهات النظر،أو في سياق الأطروحات أو الفلسفات الخاصة،بأمة دون أمة ، أو ثقافة دون أخرى.
ومن الخطأ المزعج الظن بأن "العقل المجرد" هو عقل يقف مقابلاً للعقل العلمي، بحيث يمكن للإنسان أن يتبناه تبعاً لوجهة نظر معينة أو لا يتبناه !!
إنما يتعين النظر إليه،باعتباره عقلاً قد تم تجاوزه فعلياً ، بعد أن استنفذ كل ما يمكن أن يعطيه أو يقدمه في أي حقل من حقول المعرفة.
والذين اختاروا غيره عليه، لم يفعلوا ذلك زهداً فيه مع قابليته للترميم أو التطوير أو المعالجة إنما لأنه قد مات حقاً ، وصار "تاريخاً " يجب أن يدرس من كونه كذلك لاغير.
إذن ماذا نفعل ومحيطنا الثقافي مثقل بجهل ما يدور في العالم المعاصر وما تحقق له من إنجازات؟
إن الخيار المطروح الآن أمام الإنسان المعاصر، ليس هو التمسك بالعقل المجرد مقابل أنطرح الإشكالات التي طالت "العقل العلمي"، إنما هو تطوير المنهج العلمي،ومحاولة التغلب على أشكالا ته ومآزقه . وإلا فان انتقاد احتمال الخطأ في توجيه الصاروخ إلى هدف ما، لا يبرر لنا بأي بحال،العودة إلى عصر المنجنيق.
بل يبرر – فقط – العمل على ضرورة تطوير الصاروخ لتجاوز إخفاقاته.
إن الإنجاز الذي حققه "العقل العلمي" في كافة الأصعدة يدل – بما لا يدع مجالاًُ للشك – على كونه قد تجاوز "العقل المجرد" وتخطاه فعلياً وفي كل منا شط الحياة ومجالاتها .
وهذا يجعل من السؤال عن كيفية التحديث ، والتطور إلى مستوى اكثر استجابة ومطاوعة للحقيقة الموضوعية ، مع استمساكنا بـ "العقل المجرد" غير ذي مغزى.
إذ الحقيقة ماثلة ، والواقع معاين ومشاهد ، ولا يمكن إنكاره بحال..والسؤال الطبيعي هو عن كيفية أحداث القطعية مع العقل المجرد ؟!
وهذا هو السؤال المشروع هنا من الناحية العلمية.
وتبقى سلامة عرضنا للموضوع وعدمها ليست ذات أهمية ، ولا تطعن في حقيقة العقل العلمي الواقعة والتي تصرخ في وجوه الجميع وتقول :
أنه لم يتم أي إنجاز بدءً من الآلات الصغيرة ، مروراً بالأقمار الصناعية والصواريخ النووية ... إلى التوقعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الدقيقة، والأبحاث النفسية المتطورة... كل ذلك لم يتم إنجازه إلا بعد دخول عصر العقل العلمي، والتخلي نهائياً عن فاعليات العقل المجرد ومخلفاته.
وكون ذلك واقع وموجود لامراء فيه ولاجدال ... وكوننا لم نعرف كيف وقع أم كيف وجد .. فذلك لا يطعن في وجوده مطلقاً .. بل سيبقى واقعاً مشهوداً وشاهداً.
إن العقل العلمي، كان واعياً تماماً بحقيقة (الترابط العضوي) بين قوانين "العقل" وقوانين "الكون والطبيعة" ... ولذا لم تتعدد اتجاهاته إزاء يقينية النظام الطبيعي والكوني والنظام العقلي ، إلى اكثر من اتجاهين فقط !!
اتجاه يرى : بيقينية ما تمد به الطبيعة أو الكون من معطيات ومبادئ وقوانين ، وما يمد به العقل من معطيات الكشف والاستخلاص ، والتحدد بهذا النظام بطريقة يقينية كذلك،انطلاقاً من العضوية والاتساق والاطراد.
واتجاه لايرى : بيقينية كل مما يمد به نظام الكون والطبيعة ونظام العقل ، ولا التحدد بهذا النظام في سياق العلاقة "الجدلية" القائمة على التأثير والتأثر ... بالتالي فلا يقين ولا معرفة يقينية في العقل برمته.
إذ لاشيء يقيني ... لاشيء ثابت ... إنما الشك والاحتمال ... وفي جميع المستويات المعرفية،أما غير هذين الاتجاهين فليس سوى توابع لهذا الاتجاه أو ذاك.
أما نحن فما زلنا نردد بغفلة كاملة : إن العقل جوهر نوراني لطيف ... أو قبس من النور الإلهي .. أو غريزة مميزة ..... إلى غير ذلك من الاطلاقات التي لا يقومها سوى الشاغل "الميتافيزيقي " وحسب.
أما إذا ارتقينا قليلاً وتطور الفهم عندنا فنقول : إنه بدهيات ... أو نظام الهوية والتناقض ... والثالث مرفوع ... والعلية ... وما على شاكلتها ، حسب ما قرره فلاسفة اليونان القدماء وسجله أر سطو ... انطلاقاً من تأملاتهم العقلية المحضة.
أما مفاهيم العقل المنطلق من التجربة "العلمية" ...والاستقراء ... والملاحظة .... والمنهج العلمي ... فكل ذلك غائب تماماً.
ولاشك بأن آثار هذا الغياب ستكون منعكسة – وبشكل واضح – على "الرؤية المنهجية" التي يؤطرها هذا العقل انطلاقاً من مبادئه .... وابتدائياته.
وأما ما يلاقى بتهليل وتراحب هو – فقط – ما أنتجه العقل العلمي من إنجازات عملية على صعيد التقنية والأدوات والمعدات الحديثة ...،مفصولاً تماماً عن موقف الرفض للمناهج التي أنتجته.
ولكن ليس ذلك بغريب ... فالعقل المجرد عقل منفعل متناقض مع نفسه.
ونحن عندما توخينا توجيه الانتقاد "للقيمة الموضوعية" لليقين في العقل المجرد، لم نكن لنغفل حقيقة أن الإنسان – كل الإنسان – كان وسيظل في سعي حثيث ومتواصل لتأسيس اليقين ومقاربة نسبته ، معرضاً عن كل معوق أو حائل يمكن أن يقف دون إنجازه لهذه المهمة، في كل ما يعتقد أنه يعنيه أو يهمه بشكل ملح ... سواء أرضى ذلك العلم و "العقل أم أسخطهما.
فاليقين لابد منه ... ومقاربة نسبته أمر لا محيد عنه .. رغم أنف العلم والعقل والمنهج !!
وستبقى هذه الأمور غير ذات جدوى ولاتأثير في انتقاض يقينياته وثباتها ... مهما بذلت من جهود بسلوك هذا السبيل.
فما لا يتأسس بالعقل كيف ينتقض به ؟
فيقين "العقل المجرد" يقيناً نفسياً ... قد انطوت عليه النفس واندمجت فيه ... واندمج هو فيها حتى صار جزءً منها ... ومكوناً من مكوناتها ... إلى أن يزاحمه أثير آخر يستجيب لدوافعها ومحاكماتها !!
وكما أنه من الصعب أن نتصور إنساناً يمكن أن يتخلى عن نفسه وهو حي واع ينبض بالحياة فكذلك من الصعب تخليه عن يقينه .
واليقين في العقل المجرد لا يحسمه برهان، ولا يقومه منطق، ولا ينقضه دليل ولهذا فهو يقين زائف مضلل – لاعلمي ... ولا موضوعي ... يمكن لكل أحد أن يمتلكه ، وبأي مجهود ، وبأية طريقة، وفي أي اتجاه بلا فرق ، مادام مرده إلى النفس، وبلا أي معيار موضوعي.
وأي معيار موضوعي ليقين يكتسب بلا برهان ... ويتمسك به بلا معنى .. ويترك بلا سبب عندما يجد من يتسلل أليه كاللص في جنح الظلام ؟!!
وأما الوعي والوضوح والعلم ، فهو مالا يطيق التعامل معه مطلقاً ، إلا من وراء ألف حجاب من المعارف والمعلومات المليئة بالثقوب والأغاليط .
ولكن على كل حال إن كان ثمة طريقة تذكر فلن يكون رسولها إلا التعريف بداية وبدءً .
وهذا ما حاولنا القيام به ، ولعلنا قد وفقنا شيئاً من التوفيق ، على الأقل على مستوى رسمه كعنوان و وسم من جملة العناوين والوسوم .... قد يحظى يوماً بقدر من الاهتمام والالتفات.
ونحن عندما ننحو باللائمة على الحركات الأصولية المعاصرة ،فلسنا نعنى قصر الأمر عليها وخصه بها ... إنما لأنها هي موضوع نقدنا الذي توجهنا إليه بالنظر والتمحيص لاعتبارات عدة قد نوهنا عليها سابقاً .... منها أن هذه الحركات تقدم نفسها كطليعة واعية أنيطت بها أمانة الإسلام ... واقامة الشهادة على الناس ... ونهضة الأمة ..... الخ من الادعاءات (الفخمة) العريضة !!
والذي لم نراه معقولاً ولا مقبولاً أن تستمسك بهذه الادعاءات ثم لاتزال تترفل وتنعم في ظل يقينات "العقل المجرد" الموهومة !!


بوسليم:1996 إفرنجي

ليست هناك تعليقات: