31‏/08‏/2008

العقل المجرد كحالة مضادة للعقل العلمي




نحو ممارسة نقدية للفكر الأصولي
( تجليات الغياب)

العقل المجرد كحالة مضادة للعقل العلمي

( أولياته – محدداته )


(1)

يظل الإنسان – كل إنسان – في سعي حثيث ودائم لاقتناء المعرفة التي تؤسس العلم ومقاربة نسبتها في مجمع سيره تجاه معانقة اليقين المعبر عن مطابقة المواضيع والأشياء المتعلقة بالكون والإنسان والحياة والطبيعة. إنها رغبة الإنسان الملحة وتوقه الجامح للسيطرة على مصيره وسط كثافة المجهول وغوائله المترامية الأخطار.
وهذا ما يجعل من محاولة الاندماج والتناسق مع عالم المعرفة أمرا محتما وضروريا لمجاوزتها إلى التوظيف والاستثمار والإنجاز كمرحلة تالية على كافة الأصعدة والمستويات؛ وسواء دشن همه هذا بسير تقدمي مطرد، أم اعتمل توجهه انحراف وانكسار، أم انتكس إلى حركة دائرية مفرغة، فإن حمله لهذا الهم سيظل باقيا سرمديا لا ينقضي ولا يزول.
وهذا يطرح بالضرورة القضية الأساس والمعتمد والمهماز ( قضية العقل المفكر) معول الانطلاق، ومنتج المحددات وموجه الحركة في اتجاه رسم الخطى نحو السيطرة على المصير. ومن هنا بالذات كان المنطلق ومن هنا كانت البداية التي أهلت هذه القضية للقفز إلى عمق الاهتمامات ومقدمة التطلعات التي توليها البشرية الطامحة زبدة اهتمامها وخلاصة مخاضه منذ أحقاب سحيقة إلى يومنا هذا، حتى لا تكاد لا تخلو فترة من فترات التاريخ من آثار هذا الاهتمام وتجلياته، وإن تباينت في قوة ظهورها أو ضعفه ومدى نجاح مشاريعها وإخفاقها، بحيث تعزوها الرغبة ويدفعها الأمل في تحقيق التطور المستمر لمناهج وآليات ووظائف ذلك العقل في اتجاه اجتياز مراحل إنجاز جديد وفاعلية جديدة.
هذا التطور يعكس بالضرورة حقيقة تقادم الآليات والمناهج كلما كلل النشاط الإنساني وفعله العقلي بإنتاج جديد لآليات ومناهج جديدة تتجاوز سابقتها فاعلية واقتدارا مما يحتم القطيعة ويفرض المجاوزة لكي تتراجع تلك الآليات والمناهج القديمة إلى واقع المعروضات الجديدة في معرض أثار المعرفة. بالتالي فإن هم السيطرة على المصير لابد أن يكون متضمنا لهم السيطرة على المناهج والآليات المعاصرة للإنسان في أرقى مستوياتها ضمن إطار تنمية القدرات الفعلية في سياق حوار الإرادات للسيطرة على المصير.
وفي لحظتنا الراهنة والتي تسعى فيها قوى الأمة ذات التوجهات الطليعية لمحاورة العقل المعاصر، والمساهمة في معالجة مشاكل الأمة وتفهم قضاياها وتعريفها بواقعها ، والسعي الحثيث نحو بلورة المعطيات واستثمار الممكنات التي تؤهل الأمة للحصول على موطئ قدم في ساحة الحضارة الإنسانية ،و المساهمة الايجابية والفعالة في بنائها...الخ ، فانه مع ضخامة هذه الطموحات وعظمتها تبدو لنا الطليعة الإسلامية بثوبها العقلي الرث وآلياته ومناهجه المتآكلة وهي تنافح عن موقعها في الصدارة بإصرار، محاولة إقناع الأنظار والأسماع من حولها بجدارتها واقتدارها على محاورة هذه الطموحات، بالرغم من عدم إنتاجها للشرط الأساس الذي لا يمكن لأي مشروع حقيقي أن ينجز واقعيا إلا بتوفره، خاصة في واقعنا المعاصر بإشكالاته الراهنة.
وهاهي الحركات الأصولية المعاصرة تخطط لمشاريعها وتؤسس نفسها وأتباعها وتتفهم مشاكل الواقع وقضاياه وتحاور أبعاده ومحدداته بالاعتماد على مناهج وآليات العقل التاريخي
[1] تتوج به معارفها وتنتج به علومها وهي مع ذلك لا تزل تصر على أنها تمتلك شروط نهضة الأمة وارتقائها إلى مستوى محاورة العقل المعاصر بانجازاته ومشاكله بالرغم من إنها لا تخرج في ذلك عن تخطيط وتوجيه وتأطير آليات ومناهج العقل المجرد...الذي لا يؤسس في أغلب مراحل حركته سوى الأوهام والضلالات المعرفية.
فما هي حقيقة العقل المجرد؟ وما هي آلياته؟ وما مدى إمكانية الاعتماد عليه في إنتاج المعرفة وتحصيلها كخطوة أولى ورئيسة تجاه السيطرة على المصير؟
مقدمة أولى:
تكتسي جدلية صراع المعقول واللامعقول في العقل صورة حوار الإرادات المتناقضة والمتباينة داخله؛ وتقدم حركة العقل كلا من الواقع والطبيعة على أنها تجليات لهذا الحوار الجاد والمرير..من أجل تضمين موضوع الإرادة لهذا الواقع أو ذاك وينطلق هذا الحوار ابتداء من حركة العقل في ذاته والذي يدافع التناقض والتنافي، في حين يسعى اللامعقول لبث هذا التناقض وذاك التنافي، محاولا فرضه على أنساقه ومنطقه بديلا عن التوافق والتناغم والانسجام؛ مرورا بالطبيعة التي يتحرك العقل تجاهها لتحكيم منطقه وبسط نظامه عليها؛ وانتهاء بالخطاب ومحدده العقلاني، والذي يناضل العقل من أجل ترجيحه وتسويده على الخطاب اللاعقلاني الذي يسعى ويناضل بدوره في تجاه مضاد وبقوة عنيفة لأجل بسط ردائه وتسويد نظامه أيضا!!
ومما يضفي على الأمر تعقيدا ويزيده تشابكا أن يعشعش اللامعقول مباطناً للمعقول ساعيا للصدور عن ذات منطقه الذي يصدر عنه، ليمارس تأثيره على نفس حقوله، محاولا توجيه الأشياء والظواهر والموضوعات للانتظام في فلكه، متجها إلى عقد الصلات وبث الروابط بينها بإقامته لعلاقات واهية، فرعية، على حساب علاقات أشمل وأضبط وأعم، منهمكا وبإصرار في بناء هياكله وأنظمته من مواد متلاشية مبتسرة، وشظايا مبعثرة لا تحكمها وحدة ولا يحتويها مضمون!!

مقدمة ثانية:
إن الكون ونظامه والإنسان والحياة وظواهرها تشكل الإطار المرجعي الذي يجب أن يستند إليه العقل في تحركاته وفي ذات الوقت الذي يتحدد به، مما يعني أن يصدر العقل عن نفس المنطق الذي يراد له يؤسس نفسه به وفيه! وهذا يطرح عدة تساؤلات تتلخص في التالي:
1. إذا كان العقل يستند في حركته على الإطار المرجعي المذكور، فكيف يمكن ذلك في حين أن هذا الأطار هو ذاته الحقل الذي يسعى العقل لتضمينه معان محددة بتوجيه من المعارف والأطر التي تتنازع المصداقية داخله؟!!
2. ثم ألا يمكن لكل تصور أو معنى أن يأخذ طريقه إلى قلب الظاهرة أو الموضوع بغض النظر عن صدقيته الواقعية!!
3. وهذه المعارف التي توجه حركة العقل هل من طبيعتها أن تسمح بإفراز أية محددات حقيقة في بنيته، بحيث يمكنها الرقابة على المفاهيم والتصورات التي يتم تأسيسها أو إنتاجها وتطويرها بداخله؟!!وإلا فكيف يمكن للعقل اعتمادها لمساوقة الأنساق التي يراد له أن يؤسس نفسه فيها وبها ؟!!
4. وتسعى هذه المعارف وبتلك الطبيعة من جهة أخرى ، إلى تسليط إراداتها وبسط سلطانها وتوسيع صلاحياتها على حساب العقل لكي يخضع لطبيعة وتائرها وتوجيهاتها .
فكيف إذن ، سيتسنى له أن يعتمدها في حركته تجاه تأسيس المعقول وفرض نظامه عليه وعلى الظواهر والموضوعات والأشياء؟!!

مقدمة ثالثة:
إن الظواهر التي يتوجه إليها العقل بالنظر، تعد ذات طبيعة محايدة مما يجعلها غير قادرة على إفراز أي تصور أو مفهوم معين بذاتها...الأمر الذي يعني عدم انحيازها إلى جهة ما تعبر عنها أو تنطق باسمها وعوضا عنها .
ولهذا تظل منفتحة على جميع التصورات، قادرة على استيعابها على كثرتها وتعارضها وتباينها ، مما يجعل جميع هذه التصورات المتزاحمة في العقل –بلا استثناء- قادرة على أن تتنازع صدقية وجودها في هذه الظواهر لغرس مشروعها وتأسيسه في قلبها .
إذن لابد للعقل عند تجسيده للحوار المذكور بمختلف أبعاده وتوجهاته، من أن ينطلق من تصور أو مفهوم (سابق) مؤهل لتأسيس (المقدمات الموضوعية) التي تمكن من فهم الظواهر أو الموضوعات والأشياء، لامتلاك القدرة على سحب رداء الصدقية من فوق أكتاف بقية التصورات والمفاهيم المضادة التي تقدم نفسها لإثبات وجودها كمحتوى للظاهرة أو الموضوع وإقامة حكمها فيه؛ فعلى قدر سلامة التصور أو المفهوم السابق وسلامة ترشيحه الذي يتم عبر حلقات الصراع والإقصاء تكون سلامة الحكم وسلامة إقامته.
ومن هنا بالذات تبرز إشكالية الآليات والمناهج والمعارف المكونة، باعتبار أن قضية القصور السابق تستدعي مسألة استمداده ومراحل تكونه...، وهذا يعني الحاجة إلى الآليات والمناهج المستعملة في تشكيل التصورات وإنتاجها، وهي بدورها تحيلنا إلى إشكال العقل المجرد ومآزقه!!
فما المقصود بالعقل المجرد؟
وما هي محدداته وإشكالاته؟
وما هي الآليات التي يوظفها في تحصيل المعرفة وإنتاجها وتطويرها؟

العقل المجرد..بأي معنى
المقصود بالعقل المجرد هنا؛ العقل الذي لا يعتمد على إطار مرجعي سوى القوانين الأولية الضابطة للقوانين الأساس كمنطلق يقيني/معياري لتأسيس آلية تحصيل المعرفة وإنتاجها وتطويرها وتحديدها وتأطيرها؟
وللإيضاح نقول:
إن العقل بطبيعته وبما يحويه من قوانين أولية قادر على التعامل مع الموضوعات ذات الطبيعة البسيطة وهي التي تعرف بالضروريات أو بمعنى آخر العلم الضروري؛ فهو من هذه الجهة يصدر في أحكامه عن منطق يقيني/معياري متمثل في القوانين الأساسية أو ما ركب عليها مباشرة من قوانين أولية
[2]، بحيث تكون المعرفة المتحصلة من الاحتكاك بالأشياء والموضوعات ذات الطبيعة البسيطة معرفة يقينية. إلا أن هذه الموضوعات والأشياء تختلف طبائعها وتعدد واقعيا ، بالنظر إلى عدم وجودها في الكون على طبيعة واحدة بسيطة يمكن للعقل أن يتعامل معها ، استناداً على إطاره الخاص ، المتمثل في النظام البدهي والقوانين المركبة عليه مباشرة بل إن ما كانت هذه طبيعته يعد كالناذر العزيز ،مقارنة بما كانت طبيعته مغلفة ومعقدة التركيب، بالتالي فإن العقل المجرد لا يمكنه التعامل معها مباشرة وبالاستناد على الإطار المذكور. وهذا ما يجعل الآليات المؤسسة[3] التي يوظفها هذا العقل غير خاضعة لأي منطق يقيني ‍‍‍‍‍‍‍‍/معياري وذلك لكونها تعمل بتوجيه فاعليات غير مؤهلة للتعاطي مع طبيعة الموضوعات والأشياء التي تعالجها ، بالنظر إلى وجود هذه الأشياء والموضوعات ، خارج منطقة الجذب والتأثير الخاصة بالنظام البدهي .
وبهذا يمكننا تحديد مفهوم العقل المحض
[4] في التالي:
1. إنه عقل لا تؤسسه مقدمات مبنية على واقع التجربة العلمية.
2. عقل لا تؤسسه مقدمات مبنية على محصلة الاستقراء العلمي.
3. عقل لا تؤسسه مقدمات مبنية على المناهج القائمة على أسس العلم.

فماذا يعني أن يتأسس العقل بدون ذلك كله؟
وما هو البديل الذي يمكن أن يؤسسه في إطار المعرفة تحصيلا وإنتاجا وتطويرا؟
وهل ثمة إشكالات تنتج عن ذلك؟
لكي نجيب عن هذه الأسئلة لابد أن نقوم بشيء من التقديم والتأخير بينهما لتسهيل فهمنا لهذا الموضوع وترتيبه..إذ فمن دون شك ، أن يستمر العقل في الاشتغال ، سواء كان ذلك في حضور المقدمات القائمة على الأسس العلمية ، أو في غيابها ، وذلك بالنظر إلى ضرورة وجود بعض الآليات التي يمكنه بواسطتها تحصيل المعرفة ، وإنتاجها ، وتطويرها بصرف النظر عن أي معنى آخر .
ونحن هنا، سنتناول هذه آليات المتعلقة بالعقل المجرد ، بشيء من الشرح والتفصيل لبيان وظائفها وإشكالاتها، لكي نتعرف على حقيقة ما تؤدي إليه من مآزق في إطار حركة العلم والمعرفة.


إشكالية العقل المجرد :

مقدمة تمهيدية:
قبل التعرض للآليات المعنية وإبراز الإشكالات المتعلقة بها نرى ضرورة القيام بتمهيد مبدئي يكون بمثابة المدخل المنهجي ، لإدراك محددات الموضوع بصورة أيسر إلى حد لا بأس به فنقول:
إنه من جملة الأوهام التي تحول دون تفهم إشكالية العقل المجرد هو الاعتقاد السائد بأن ثمة معارف منجزة يمكن أن يستقيها العقل من الواقع الخارجي أو ينتجها بفعل آلية من آلياته الداخلية البدائية وحسب.
وذلك وهم لا تؤسسه سوى افتراضات غير قابلة للتحقق واقعيا، لسبب بسيط جدا، وهو أن تحصيل المعارف يخضع لجملة من شروط الضرورية التي ترتبط بعدة عوامل كالمعارف السابقة والمناهج والآليات والإجراءات، التي تمكن من صياغة الظاهرة أو الموضوع في علاقة ذات أبعاد محددة واضحة، تسمح بمحاولة نظمها في قانون (مجرد/عام/شامل/صارم) يمكن أن يحكم الظواهر والموضوعات التي تربطها وحدة موضوعية ما.
فمن أين إذن يمكن تحصيل المعارف المكونة بالتحديد؟
إن تحصيل المعارف المكونة –إجمالا- ليس له سوى مصدرين:
الأول: الواقع الخارجي.
الثاني: الواقع الذهني.

أولا: الواقع الخارجي:
والمقصود هنا الحقائق أو الموضوعات بظواهرها وأشكالها المختلفة المتعلقة بالكون والطبيعة والإنسان والحياة.
ويمكن تقسيمه إلى قسمين:
أ‌- مظاهر وموضوعات خام، أي لم تتوجه إليها أية محاولة جادة للترجمة والاستنطاق لمعرفة مكوناتها وعلاقاتها وجهاتها وروابطها التي تشدها إلى نوعها.
ب‌- مظاهر وموضوعات توجهت إليها محاولة الترجمة والاستنطاق بحيث دخل عليها نوع من التحليل والتفكيك والتحديد والتعيين وغير ذلك مما هو بمثابة المقدمات الضرورية لتفهم الظواهر والموضوعات وتكوين معرفة حولها بشكل من الأشكال.
ثانيا: الواقع الذهني:
والمقصود هنا التصورات والمفاهيم التي تشكلت في الذهن عبر المزاوجة بين المعارف بالاستناد على جملة آليات كالتوليف والانشطار والاستقطاب...الخ.
إذن فما مدى تأهيل كل من الواقعين للمساهمة في تحصيل المعرفة؟ وما هي الإشكالات التي تعترض ذلك؟
أولاً: الواقع الخارجي:
إن الظواهر والموضوعات الخارجية عصية على التحدد ،والانتقال كمعارف منجزة محددة الأبعاد، وذلك لعدة أسباب أهمها:
I. إن الظواهر والموضوعات بطبيعة تكوينها البنيوي تتسم بالتركيب والتعالي والترابط، مما يجعل من عناصرها غير معروفة ولا ظاهرة إلا بشكل إجمالي مصمت..في الوقت الذي تتسم فيه علاقات هذه الظواهر بالانفصال والتفكك -ظاهرياً- بحيث تبدو لنا عناصرها مجزئة لا رابط بينها.
II. غلبة الإبهام في العلاقات والعناصر بسبب التغليف الذي يجعل من الظواهر والموضوعات غير معلومة الانتماء للنوع الذي يشدها إليه.
III. كثرة التداخل في العناصر والعلاقات والجهات مما يسبب في التموه وعدم التحدد ظاهريا.
IV. كثرة العلاقات الاعتباطية غير الأساسية مما يسبب في التضليل والانصراف عن العلاقات المؤسسة.
V. خفاء وغموض النسب، مما يمنع من إدراك مجالات كالتأثير والتأثر مثلا.
VI. خفاء نوع الروابط التي تقيم الترابط بين علاقات وعناصر وجهات الموضوع والظاهرة.
VII. كمون القانون العام المتحكم في الظاهرة خلف ذلك التركيب المصمت.
إذا فالواقع الخارجي لا يمكن أن يمدنا بالمعرفة المتكونة والمنجزة بمجرده.
ولذا كان لابد من تدخل فاعليات العقل للقيام بجملة إجراءات (كالفصل والعزل والتحديد والقياس والمعايرة)..الخ، من العمليات التي يمكن معها تحويل الظواهر والموضوعات الخارجية وترجمتها إلى معارف منجزة يمكن للعقل أن يتعامل معها ويعتمدها ضمن أطره التي يستند إليها في كثير من مراحل حركته تجاه تحصيل المعرفة وإنتاجها وتطويرها؛ وتلك الإجراءات هي التي تؤسس عملية الاستنطاق والترجمة المقصودة التي تحيل الموضوع أو الظاهرة من حالة العلاقات المركبة والظاهر المجمل (المصمت) إلى قانون بسيط مجرد، من ثم معادلته بالقانون الذهني – رياضيا – عن طريق مركب من العلاقات الداخلية والعلاقات الموجودة في الخارج.
إذا لابد لذلك من:
I. ترجمة الظاهرة أو الموضوع الخارجي إلى قانون مجرد.
II. مقابلته بالقانون المنجز داخليا في الذهن.
وذلك يستلزم:
I. معارف منجزة مكونة سابقة.
II. صياغة داخلية للمعارف المكونة المتعلقة بالموضوع أو الظاهرة على هيئة قانون.
III. صياغة علاقات الظاهرة أو الموضوع في قانون مجرد.
IV. المعايرة بين القانونين، بالمقابلة والمقايسة للوصول إلى المطابقة.
فما هي الخطوات اللازمة التي تسبق مرحلة صياغة القانون في كلا الأمرين؟
إنه بالنظر إلى قيام جوهر الحركة العلمية على اكتشاف الرابط العلمي في الظواهر والموضوعات، فان ذلك يستلزم:
I. إدراك العلاقات الانفرادية المكونة للموضوع ومعرفة محتواها الموضوعي.
II. إدراك الروابط التي تشد هذه العلاقات بعضها إلى بعض.
III. إدراك الإطار الكلي الذي يحكم هذه الروابط.
وذلك لتحديد الرابط المشترك الذي يؤسس العلم، ويتم على وفقه صياغة القانون بمعناه العلمي القائم على وصف وتقرير العلاقة الكاملة، بحيث لايتم إضفاء أو إسقاط لأي محدد من محددات العلاقة مما هو يقيم أصلها والعلاقة الكاملة؛ هي المشتملة على مجموع الروابط التي تشكل الأساس الذي ينبني عليه القانون المجرد والمطابق للموضوع
[5]. وذلك كله يستلزم جملة إجراءات تمثل الخطوات اللازمة التي تسبق مرحلة صياغة القانون وهي كالتالي:

أولا: الإظهار:
ويتم عن طريق:
I. فصل المكونات إلى عناصر.
II. تصنيف هذه العناصر بحسب:
1. نوع العلاقة.
2. الوظيفة.
3. التأثير المتبادل.
III. تقسيم وإبراز المحاور (أي المحاور التي تدور حولها العلاقات).
IV. تحديد الرابط الأساسي – غير العرضي- بين العلاقات.
V. تحديد علاقة العناصر الثابتة بالمحاور (شكلية/جذرية).
VI. تحديد حيز العلاقة.
VII. تحديد المنظور.

ثانيا: الإبعاد:
ويتم عن طريق:
I. الكفؤ البسيط المتجانس.
II. إبعاد الثوابت الاعتباطية.
III. استخراج العناصر المتشابهة غير الأساسية.
IV. استخراج العناصر الأساسية المكررة.

ثالثا: الانتقاء والترشيح:
ويتم عن طريق:
I. انتقاء العينات التي يمكن أن تمثل الموضوع.
II. ترشيح الأنسب منها، وهي مرحلة التعيين.
ثم مرحلة صياغة القانون (المجرد/العام/الشامل/الكلي) المكافيء للموضوع.

ثانيا الواقع الذهني:
إن مسألة تأهيل الواقع الذهني كمصدر للإمداد بالمعرفة المكونة والمنجزة، لا تختلف في ذلك عن الواقع الخارجي ، فهما يشتركان في عدم إمكانية تأهلهما ، إلا بانضياف فاعليات أخرى لها القدرة على تجاوز إشكالاتهما وقصورهما الذاتي عن تحصيل المعرفة أو تكوينها وانجازها. والواقع الذهني وإن كان يتقوم بمعارف سابقة، ومفاهيم وتصورات معطاة، إلا أن ذلك لا يؤهله لإنتاج المعرفة بمعزل عن إجراءات وشروط ضرورية في تجاه التأسيس. وذلك يستلزم:
1. معارف أو مفاهيم وتصورات سابقة تشكل الإطار المرجعي للعقل وحركته.
2. تكثيف المعطيات التي أفرزها الإطار المرجعي إلى حد انبعاث محدد او معنى معين.
3. الإحالة من علاقات معطاة إلى علاقات جديدة عن طريق علاقات ضرورية منطقية.
وذلك يستلزم:
المحافظة على التوازن الداخلي عن طريق المراقبة والتوجيه لنسق الحركة في جميع مراحلها، بالقدر الذي يمنع حدوث أي خلل أو ثغرة قد تؤسس حلقة غير موضوعية.
4. المعايرة وفق قيمة ثابتة صحيحة.
5. ثم صياغة القانون العام الشامل في معنى كلي معبر عن حقيقة الموضوع أو الظاهرة، وهذا في حقيقته يجعل من اعتماد الواقع الذهني كمصدر للمعرفة المكونة موقوفا على جميع الخطوات والمراحل والشروط التي يتوقف عليها الواقع الخارجي بغية الوصول إلى مرحلة صياغة القانون المعبر عن حقيقة الموضوع، والفرق يكمن فقط في كون الأول واقعاً ذهنياً والآخر خارجياً. بالتالي فإن العقل يلجأ للقيام بهذه الإجراءات اللازمة عن طريق توظيف جملة من الآليات والمناهج التي تمكنه من التعامل مع المعطيات بالقدر الذي يؤهله لاجتياز مختلف المراحل وتحقيق الشروط اللازمة لتحصيل المعرفة.
فهل يمكن للعقل المجرد أن يتجاوز جميع هذه المراحل عن طريق آلياته البدائية التي ينتهجها لتأسيس العلم؟
عرفنا فيما سبق أن العقل المجرد هو الذي يعتمد النظام البدهي كإطار مرجعي لتأسيس آلية تحصيل المعرفة وإنتاجها وتطويرها؛ كما عرفنا أن العقل بهذه المواصفات ستكون فاعلياته تجاه الأشياء والظواهر والموضوعات محدودة بحسب طبيعة هذه الأشياء والظواهر، التي لا تسمح له بأن يتعاطى موضوعياً ، إلا مع ما كان بسيط الطبيعة وبالقدر الذي لا يتجاوز مجال تأثير النظام البدهي كمنطق (يقيني/معياري)، وما ركب على هذا النظام من قضايا مباشرة ، وهي لاشك ستكون محصلتها يقينية لثلاثة أسباب:
1) سهولة التمايز.
2) ثبوت النسبة.
3) حتمية الارتباط.
بالتالي فإن النظام البدهي وكإطار مرجعي وحيد للعقل المجرد سيحول بينه وبين القيام بجملة من الأمور أهمها، التالي:
1) معالجة القضايا المركبة ذات الجهات المتعددة والتي تتطلب تحديد الجهة المقصودة في الموضوع المعين من دون بقية الجهات.
2) معالجة القضايا المغلفة التي تتطلب فك أغلفتها للعثور على نواتها الأساسية.
3) معالجة القضايا البعيدة عن منطقة الجذب والتأثير للنظام البدهي.
فإذا كانت القضايا المعالجة تحمل إحدى هذه المواصفات أو جميعها صارت عصية على تأثير سلطات النظام البدهي خارجة عن مجال فاعليته، إذ:
· المركب يتطلب تفكيكا.
· والمغلف يتطلب تحليلا.
· والبعيد يتطلب إجراءات ضبط وتوجيه ومراقبة؛ وهذا يستدعي بالضرورة المناهج والآليات التي تمكن من إدراك:
Ø قطعية الوجه المركب.
Ø سلامة التركيب بين المقدمات.
Ø سلامة التعاقب.
Ø صحة الربط. وذلك يستلزم:
1. وجود المعيار المكافئ لليقين.
2. وجود علاقات ثابتة يمكن القياس عليها تنعدم معها قابلية الانحراف عمليا.
3. تحديد وتعيين النسب.
4. تحديد الرابط الجزئي.
5. تحديد الرابط العضوي أو الحد المشترك أو الجهة المركز، والذي يربط الجزئي بالكلي.
6. ضبط النسب، بحيث تكون اضطرادية غير قابلة للقصر كما وكيفا، بحسب الجهة المقصودة.
فهل يمكن للعقل المجرد بمناهجه وآلياته البدائية أن يدرك ذلك كله؟!!
سؤال يعود بنا للحديث عن الآليات التي يوظفها العقل المجرد، والذي قدمنا له بهذه المقدمة الإجرائية!!

أولا: آلية المماثلة:
1. مفهومها: هي آلية أساسية في النشاط الذهني، تقوم على رصد المشابهة بين الظواهر أو البنى أو المشخصات أو المعاني..الخ.
2. وظيفتها: يمكن تحديد وظيفة آلية المماثلة من خلال المفهوم السابق حولها في كونها الوسيلة الفاعلة لإثارة انتباه العقل إلى الممكنات التي تتضمنها الظاهرة أو البنية أو الشخص المعين...الخ، لرصدها أو تتبعها.
فمن خلال عمل هذه الآلية يقع العقل على أوجه الشبه القائمة بين الظواهر أو الموضوعات، وهذا الشبه يطرح احتمال أو افتراض اشتراك الظواهر المتشابهة في محتوى واحد ، إلا أن ذلك لا يعني الاشتراك الواقعي الحقيقي بالضرورة ؟!!
إذا فآلية المماثلة آلية أساسية باعتبارها تؤسس الفرض والاحتمال كخطوة أولى في جميع العلوم تمهد لحركة البرهنة والتحقق؟

(إشكال آلية المماثلة ) ...

إن آلية المماثلة من حيث هي آلية ذهنية لا يتعلق بها أي إشكال ،بالنظر إلى أنها آلية أساسية في تحصيل أولى الخطوات المتعلقة بتأسيس العلم والمعرفة .
إلا أن الإشكال يتعلق بهذه الآلية،عندما تناط بها وظيفة (تالية) لا تمتلك "التأهيل" اللازم لأدائها، ونعني هنا تحديداً: وظيفة (المطابقة) !!
ماذا يعني ذلك ؟
عرفنا أن (العقل المجرد) يعتمد النظام البدهي (بأساسياته وأولياته) كإطار مرجعي وحيد, ويوظف آلياته البدائية في تأسيس المعرفة ، وبما أن آلية المماثلة لا تقيم سوى (الفرض) الذي لا يعني في حقيقته سوى (الإمكان العقلي) ، فهي بذلك لا يمكن أن تعكس أية علاقة "حقيقية " بشكل (علمي / موضوعي) ، إنما المشابهة والمشاغبة فقط !!
فيعمد (العقل المجرد) لاعتماد العلاقة "الأقرب"- وفقاً لمعاييره الداخلية- إلى التصور السابق ، من حيث "الشبه" في جهة ما، وليس بالضرورة أن يكون هذا الشبه (معبراً) عن علاقة حقيقية ، فينتقل (الإمكان العقلي) من فرض واحتمال إلى (حقيقة) في الذهن لا يقومها سوى (الشبه) والمماثلة ، لتصبح في نظر (العقل المجرد) حقيقة (مطابقة) لحقيقة الواقعة في الخارج!!
ولكن لماذا المطابقة ؟
إن التفكير لا يمكن أن يكون حقيقياً وموضوعياً ما لم تكن "العلاقات" التي يقيمها بين الأشياء والظواهر أو الموضوعات هي ذات العلاقة القائمة بينها في الواقع "الموضوعي" وبشكل يقيني (ضروري)
[6]

* فالعلم المؤسس موضوعياً يتوقف على:
1. صحة العلاقة.
2. اعتبارها ضرورية منطقية (يقينية).
مما يعني أنه لا حدس ولا مقاربة أو مماثلة ومشابهة ، إنما انطباق ومطابقة ، وهو ما لم تتأهل له آلية (المماثلة) ...
- إضافة إلى أن الظواهر :
1. ذات بعد محايد – كما أشرنا – مما يجعلها منفتحة على جميع التصورات!!
2. وأنها تحتوي على تجليات ومظاهر لا تخلو من المشابهة والتشابه من جهة ما ، وذلك أمر ثابت لا مراء فيه.
· فإشكال آلية المماثلة يكمن في تحميلها وظيفة لا تمتلك (مقومات) أدائها ، ليستند عليها العقل في إنشاء (علاقة) يعطيها صفة "المطابقة" ويؤسس على ضوءها العلم أو المعرفة ... في حين أن هذه العلاقة ابتداء لا تعني سوى "الإمكان العقلي" الذي يؤسس الفرض أول خطوات إنتاج المعرفة ، والذي يجب أن يتبع بسلسلة من التجارب والاختبارات والرصد والسبر والتقسيم ، ومعاودة التجربة ، وإقامة الاختبار الحاسم ... الخ ، من إجراءات ضرورية للتحقق من صدقيه أي الفروض يمكنه (مطابقة) البنية أو التصور أو الظاهرة أو المتشخص ...الخ ، وذلك لا يتم بشكل (علمي) إلا بالتحقق عن طريق وسائل التجربة المادية كما في الطبيعيات أو العقلية المزودة بالمناهج الدقيقة التي تقيم الرقابة العقلية الصارمة على الموضوع بفرض نظامها عليه كما في الرياضيات !!
ليتم إقامة الجسر ما بين الفرض والحقيقة الواقعية ... وهو ما لم تستوف شروطه آلية المماثلة ... فهي إذنً لا تؤسس التفكير ولا تؤطر المعرفة.



ثانياً : آلية التحـليل الحدسي الابتدائي:
انطلاقاً من حقيقة التعقيد والتركيب التي تتسم به الظواهر والموضوعات ، عرفنا أنه لابد من القيام بنوع تحليل قائم على التفكيك والتركيب
[7] ... باعتبار أن غاية التحليل هي الوصول إلى الطبائع البسيطة للموضوعات والظواهر ، والتي تحجبها كثافة الأغلفة وتداخل العلاقات وتعدد الجهات بشكل كلي إجمالي "مصمت" .
والطبيعة البسيطة هي غير المركبة أو المغلفة والمتجردة عن كل ما يحيط بها من صور ومظاهر لا تعبر عن العلاقة الحقيقية المراد كشفها.
* (فآلية التحـليل) : هي الأداة التي عن طريقها يتم الكشف عن المحتوى الواقعي للأشياء والمعبر عن طبيعتها البسيطة، بواسطة تفكيك العناصر وعزل بعضها عن بعض ،وفك الأغلفة والأقمطة التي تحيط بالأشياء لكي تسفر عن محدداتها وعلاقاتها وروابطها التي تشد إلى نوعها في الواقع الموضوعي.

إشكال آلية التحليل الحدسي الابتدائي
بالنظر إلى الوظيفة المفترضة التي أنيطت بآلية التحليل الحدسي ، يتبادر لنا تساؤل يتحد معه أشكال هذه الآلية ، وهو :
هل لآلية التحليل الحدسي "الابتدائي" التأهيل الذاتي والكافي للقيام بوظيفة الكشف عن طريقة التفكيك والتركيب والعزل ... اللازم لتجريد العوالم عن الطبيعة البسيطة موضوع البحث ؟
إن التحليل الحدسي- في حقيقته- يقوم بالحدس المرتكز على كثافة "الخبرات" أو كثافة المعطيات الذهنية حول الموضوع المعالج ، مما يؤهل الذهن إلى إفراز فكرة أو مفهوم أو قانون مجرد ، يطرح نفسه كناطق عن "الموضوع أو الظاهرة" المعالجة، وذلك بتجاوز المستوى الأولى لعلاقاتها ، وهذا النوع من التحليل يرتكز- بالتحديد- على مجموعة عوامل أهمها:
1. الترسيب والتراكم .
2. التداعي الذهني المجرد .
3. التكرار
4. المماثلة أو الشبه‘ الموجه بالخبرات الناقصة أو الحركة الانفعالية...!!
ويلاحظ أن جميع هذه العوامل "تشترك" في استنادها على الخبرات المتراكمة عبر تلقائية الحركة وضرورة التعامل مع الظواهر والموضوعات !!
ومن هنا يتحدد إشكال آلية التحليل الحدسي الابتدائي في التالي:
الوقوف عند مستوى أولي من التفكيك.
باعتبار استنادها على الخبرات التي تتسم بعدم النسقية أو الانضباط والترتيب .
1. عدم خضوعها للاستدعاء والاستحضار حسب الطلب.
2. عدم قابليتها للقياس والاختبار والمعايرة والتقنين والتتبع والرصد.
3. باعتبارها غير مؤسسة ولا ممنهجة .
4. عدم قابليتها للتقويم ...الخ.
· فإشكال الخبرات وتأسيسها- وإشكال المستويات المتداخلة والمركبة للموضوعات والظواهر، يجعلان من آلية التحليل الحدسي الابتدائي غير قادرة ولا مؤهلة للقيام بالكشف اللازم والموضوعي للطبائع البسيطة...أنما غاية أمرها تأسيس الفرض والإمكان العقلي ،مما يتطلب جملة إجراءات وآليات ومناهج أخرى ، وظيفتها التحقق من صدقيه الفرض من عدمها.
· فآلية التحليل الحدسي الابتدائي لا يمكن اعتمادها بمجردها في تأسيس المعرفة الموضوعية.

ثالثاً : آلية التضمين التلقائي:
بالنظر إلى أن العقل هو من سيقوم بترجمة المعارف كموضوع داخلي مكون ، كما أن هذا العقل عينه هو من سيقوم باستنطاق الواقع الخارجي وترجمتة في قانون واحد (صارم/مجرد) يعبر عن نوع "الوحدة" بين العلاقات الأساسية ،كشرط لابد من توفره لضبط الحد المشترك المؤسس للحكم المعبر عن كلا الموضوعين "الداخلي والخارجي" من الجهة المعنية المقصودة.
ولاشك بأن آلية "التضمين" هي التي ستعكس هده الترجمة والصياغة ، بحيث تطابق بين القانونين "الداخلي والخارجي" عن طريق الربط بينهما للوصول إلى مرحلة الحكم وذلك لم يكن ليتم بمعزل عن الفعل العقلي الذي يعمل على التوليف والربط والتحديد ...الخ.
ومن هنا يبرز إشكال هذه الآلية :



إشكال آلية التضمين.
وفقاً لما سبق يمكننا تلخيص أشكال آلية التضمين التلقائي في أمرين :
الأول : صياغة القانون الداخلي المعبر عن المعارف المكونة- كمعطيات سابقة ، وذلك من جهتين :
Ø الأولى : جهة الفعل العقلي في جميع المراحل السابقة لصياغة القانون إلى حد صياغته فعلياً، ما مدى صحة وسلامة ذلك ، وما هو الضامن ؟
Ø الثانية : جهة المعارف السابقة، كمستند لحركة العقل ، ما مدى موضوعيتها وصحة تأسيسها ؟
الثاني : المعطيات التي تم على أساسها المكافئة في الخارج كقانون مقابل، ما مدى موضوعية هذه المعطيات ؟
ولتجاوز هذه الإشكالات يتطلب الأمر استدعاء المناهج والآليات الخاصة بإجراءات التحليل والكشف والتعيين والتحديد ...الخ .
وذلك مالا يمكن أن توفره آلية التضمين التلقائي ، المعتمد في حقيقته على "الحدس" أيضاً الناتج عن تأثير الخبرات المتراكمة في الذهن .
مما يجعل من نتائج هذه الآلية قائمة على مجرد الفرض المتطلب لإجراءات التحقق والاختبار لمعرفة مدى صدقيته من عدمها .
· فآلية التضمين التلقائي لا يمكن أن تؤسس بمجردها المعرفة الموضوعية.


رابعاً : آلية المنهج الوصفي التقريري الشكلانى :
انطلاقاً من أن الظواهر والموضوعات تتسم بالأجمال والاصمات ، فان العقل هو من يقوم بمحاولة استنطاقها بإجراءات الكشف للعلاقات التي تربط عناصرها وأجزاءها ، وتفكيكها وتحديد جهاتها ...الخ عبر ترجمة تصلح للانخراط في معالجات تؤهل العقل ، إلى تشكيل معرفة موضوعية حولها .
وابتداء لابد من تكوين فكرة أولية عن موضوع المعالجة، تسمح بالعبور إلى تكوين "الفكرة الكاملة" من الجهة المقصودة.
وتلك هي وظيفة آلية المنهج الوصفي التقريري – الشكلانى- ، فهي كآلية أساسية في النشاط الذهني تعني بتحصيل هيئة المراد الظاهر من الشيء أو الموضوع ... كما هو ودون حذف أو إضافة- من الجهة المعنية بالذات.

إشكال آلية المنهج الشكلاني.
باعتبار أن هذه الآلية تقوم بنقل أو بترجمة وصفية تقريرية عن موضوع المعالجة من حيث المتبادر أو الظاهر منه، فإن ذلك سيتم استناداً على "معطيات سابقة" بإحداث نوع من "الربط" بين الواقع الخارجي والواقع الداخلي ... وهذا يتطلب جملة الإجراءات السابقة والتي هي خارجة عن حدود فاعلية هذه الآلية وطاقتها الداخلية .
ووفقاً لذلك يتحدد إشكالها في التالي :
باعتبار أن هذه الآلية تتجه نحو الموضوع قيد الترجمة ، فان ذلك يستدعي بالضرورة :
1. إشكال التركيب والاصمات:
فقد عرفنا أن الظواهر والموضوعات من حيث تكوينها البنيوي تتسم بالتركيب والترابط والتعالق ... بحيث تبدو عناصرها في الظاهر مجملة مصمتة، مما يعني أن آلية المنهج الشكلانى البدائي سوف لن تترجم إلا بصورة إجمالية تقف عند مستوى سطحي أو قريب من السطحي ، لا يمكنه من الولوج إلى عمق الموضوع ، ولا أن يفصل بين جهاته.
2. إشكال النمو: الناتج عن تشابك العلاقات والجهات وتداخلها وعدم تحديدها ، مما يعني عدم تأهيل هذه الآلية لضبط حدود الموضوع المراد ترجمته .
3. إشكال تدخل "الانطباعات الذاتية": والتي تمارس تأثيرها على عملية الوصف والتقرير، بسبب التفاعل اللاشعوري مع موضوع المعالجة.
مما يعني تحميل الوصف والتقرير عناصر غير موضوعية ولا علاقة لها بحقيقة الظاهرة المعالجة من الجهة المعينة.
4. إشكال معيار المقايسة الوصفية :باعتبار أن المقايسة الوصفية تستدعي معياراً أو قيمة ثابتة لإتمامها ، وهذا يطرح مدى صحة المعيار من جهة ، ومدى سلامة المقايسة وفق المعيار من جهة أخرى.
وكل ذلك يتطلب إجراءات إضافية ضرورية لا يمكن لآلية المنهج الشكلانى توفيرها بمجردها ، مما يعني عدم قدرتها على تجاوز هذه الإشكالات اعتماداً على "إمكاناتها الذاتية " المحدودة ، والتي لا تمكنها إلا من تحصيل الفرض- في أقصى الأحوال- الذي هو في حقيقته إمكان عقلي، يفتقر إلى تدخل مناهج وآليات قادرة على إنتاج "الشروط اللازمة " للتحقق من مدى صدقية هذا الفرض من عدمه ، وبالتالي فهي ليست قادرة على تأسيس المعرفة الموضوعية .

خامساً : آلية التوليف والمزاوجة والدمج الأولية:
تتمثل وظيفة هذه الآلية في إحداث الحركة اللازمة ، لانبثاق نوع من الروابط بين علاقات "معطاة" ، تشكل كل علاقة منها وحدة خاصة ، لإنتاج علاقة كاملة ذات وحدة "مشتركة" .
وظاهر أن مجال فاعلية هذه الآلية يستدعي التعامل مع العلاقات والروابط والجهات .
أي التعامل مع المتدخلات والتركيب والمتشابكات، مما يجعلها أي هذه الآلية تصطدم بذات الإشكاليات السابقة، من مثل :
تداخل العلاقات، عدم وضوح النسب ، غموض الجهات ، عدم إدراك الوحدة النوعية لكل علاقة ، عدم إدراك الارتباط ...الخ، مما يستلزم جملة الآليات والمناهج التي تعمل على (العقل- التحديد- التعين- القياس ...الخ) مما يؤسس الترجمة اللازمة والاستنطاق المطلوب تجاه تحصيل المعرفة الموضوعية.
· فآلية التوليف الأولية غير مؤهلة ذاتياً للقيام بالربط والمزاوجة والدمج اللازم للتأسيس الموضوعي.

سادساً : آلية الانشطار والاستقطاب:
تتمثل وظيفة آلية الاستقطاب والانشطار في أمرين :
(الأول) : جذب الأشباه والنظائر واستقطابها وفقاً لعلاقتها (بالموضوع) أو (الواقع الذهني) !!
(الثاني) : تحويل هذه الأشباه والنظائر المستقطبة إلى عناصر ذات قوة استقطابية قادرة على جذب الأشباه والنظائر ... وهكذا وذلك لتكوين كل متكامل تحكمه وحدة نوعية محددة
إلا أن عمل هذه الآلية تستلزم إجراءات الكشف عن الطبيعة البسيطة للموضوع المرشح للترجمة على هيئة قانون (كلي/ شامل/ صارم/ تجريدي) ، بحيث يتسنى لها استقطاب العلاقات الجزئية القائمة لتنتظم في ذلك الكل الذي لم تكن لتنتظم تحته لولا وجود محور للدوران أو قوة تشدها إلى مركزه .
· فآلية الانشطار والاستقطاب لا يتعلق بها الإشكال من حيث كونها آلية أساسية في النشاط الذهني ، إنما يتعلق بأمور أخرى ، سيأتي بيانها .
إشكال آلية الانشطار والاستقطاب:
يتعلق بها من جهة توجيهها نحو أشباه ونظائر غير حقيقية ، إنما تعلق بها تماثل ما من إحدى الجهات ترشح بفعل وجود "كم هائل" من التركيم المتعلق بهذه الجهة .
بالتالي فإنها تتوقف- لسلامة إنتاجها- على جملة آليات ومناهج يمكن أن توفر :
1. سلامة الكشف عن الطبيعة البسيطة ، لمنع دوران الجزئيات حول غير محاورها.
2. تجاوز الحد الابتدائي الأولي من مستويات الظاهرة أو الموضوع لضمان عدم تخلف) انتظام كثير من الجزئيات.
3. قوة الكشف ، لمنع ضعف كثافة الانشطار، والذي يرتبط بعلاقة جدلية مع موضوع الكشف ومدى سلامة وظهور محتواه.
· فآلية الاستقطاب والانشطار لا يمكن الاعتماد عليها بمجردها في تأسيس المعرفة الموضوعية.

سابعاً :آلية المنهج التخميني الافتراضي :
وهو القائم على مجرد الافتراض النظري المستند على نوع من الملاحظة والاستنتاج والمفتقر للتحليل بمعناه الآلي الوظائفي !!
بالتالي فهي آلية محددة الوظيفة : وفي مستوى أولي وابتدائي-
[8] جداً- ينتظم فيه الافتراض كخطوة مستتبعة لإجراءات التحقق وجملة الشروط اللازمة لتأسيس المعرفة الموضوعية.
فهي إذن ستواجه جميع الإشكاليات السابقة.

ثامناً : آلية المعارف الكمية:
تعد "المعارف الكمية" من أهم الإشكالات التي تعترض الحركة تجاه تأسيس المعرفة الموضوعية ... وذلك باعتبار نشاط آلياتها وقوة تأثيرها، واتساع رقعة سلطاتها في ساحة العقل ... الأمر الذي يؤهلها (فعلياً) لاكتساب قدرة هائلة على الاندماج والاتساق مع بناه ومن ثم القيام بتبيئته وتهيئته للدوران في فلك معاييرها وأنظمتها الخاصة، والتي تسعى بجدية للإمساك بتلابيب "السبق" في المنافسة على تسيير دفة التفكير والعمل على تشكيل محدداته ... بالرغم من أن حركتها تتسم- وبشكل شبه مطلق- بالغموض والتلون ، وفي نفس الوقت فان حضورها دائم وفعَال.
ولذا فإننا سنوليها شيئاً من التفصيل الذي لم يكن لغيرها مما سبق الحديث عنه ... وذلك للوقوف على حقيقة إشكالها الحاد ، ومدى إعاقتها لإنجاز المعرفة الموضوعية ، وإلقاء الضوء على الآليات والفاعليات التي توظفها لتحقيق مآربها وفرض معاييرها وتوسيع صلاحياتها.
فما المقصود بالمعارف الكمية ؟ وما هي الآلية التي تنتجها لإقامة الإشكال المعني أمام المعرفة الموضوعية ؟
قبل التعرض للإجابة عن ذلك سنطرح تساؤلاً تمهيدياً ، تمثل الإجابة عنه مدخلاً لطرق الموضوع وتفصيله ، فنقول :
ما المقصود بالمعرفة الموضوعية ؟
(إنها المعرفة المكونة بشكل واع ٍ) .
والشكل الواعي هنا ليس المقابل للشكل "التلقائي" الذي يتم عبر سلسلة من التراكم المعرفي للمفاهيم والأحكام القيمية التي تنتقل إلى الذهن عن طريق الحركة الطبيعية للإنسان في الواقع ، بحيث تشكل الأحاسيس والانطباعات نحو الأشياء والمواضيع ، بل وتشكل الأذواق والمشاعر الخفية وغير المبررة حيالها أيضاً
[9] .
إنما الشكل الواعي هو "الشكل المعرفي المكون عبر سلسلة من التركيم الفرضي للمفاهيم والأحكام القيمية ، التي تنتقل إلى الذهن عن طريق حلقات معلومة التكوين من حيث أساسها البنيوي ، ومترابطة بشكل نوعي جوهري" !!
أما المقصود بالمعارف الكمية :
فهي "المعارف التي وصلت إلى الذهن بشكل مصنوع- لا تلقائي- ولكن دونما تأسيس لجذورها !!"
فما هي الآلية التي تنتهجها المعارف الكمية لإفراز الإشكال المعني ؟
إن المعارف الكمية كعقبة أساسية تعترض دون تأسيس المعرفة الموضوعية ، يمكن النظر إليها من جهة ما تخلقه من "تركيم" للمفاهيم والإحكام القيمية التي تم اعتمادها عبر سلسلة طويلة من التركيم الموجه ، والذي خلق بدوره نوعاً من "التكيف البنيوي" للذهنية المتقبلة التي تكيف بناؤها بما يتناسب والإحكام القيمية المتشابهة الأشكال من جهة ما مع هذا التركيم بحيث يتجه الذهن تلقائياً إلى اقتطاع الأجزاء واعتبارها بما يتناسب ومعاييرها التي فرضتها على البيئة الذهنية وذلك عن طريق الترسيب والتراكم والذي تبلور (نوعياً) على شكل محددات حاسمة لها القدرة ، على خلق حالة ذهنية مولدة لأنوية غزيرة من المعارف الكمية بشكل مطرد ، وتعني بها آلية الانشطار والاستقطاب لا كآلية أساسية في النشاط الذهني وحسب، ولكن كآلية تم توظيفها لحساب الفاعليات المنتجة للمعارف الكمية !!
فكيف يمكن أن يحدث ذلك ؟
عرفنا أن حالة الاستقطاب كآلية ذهنية تعني قدرة الذهن على جذب وأشباه ونظائر البيئة المكيفة إليها، وأن آلية الانشطار تعمل على تحويل هذه النظائر والأشباه المعرفية المستقطبة إلى قوة استقطابية تجذب إليها النظائر والأشباه للبيئة المكيفة . حتى تصل إلى الحد الذي تتمكن معه من خلق بيئة مكيفة أخرى ... وهكذا .
كما عرفنا أن مكمن الإشكال ليس في الآلية ذاتها باعتبارها آلية أساسية في النشاط الذهني إنما لكون آلية الانشطار لا تحدث في الأشباه والنظائر الحقيقية، إنما في حال وجود شبه ما من إحدى الجهات المعتبرة أو غير المعتبرة للموضوع أو الظاهرة ..
بالتالي فان المعارف الكمية توظف هذه الآلية لاستقطاب الأشباه والنظائر للبيئة المكيفة لشبه ما قد عنّ من إحدى الجهات التي استقطبها الذهن نتيجة للقوة الاستقطابية التي امتلكها بفعل وجود كم هائل من التركيم المتعلق بهذه الجهة ، مما أهلها إلى البروز والحضور في الوعي والانتظام في حلقات "الإحكام القيمية" ، في الوقت الذي غابت فيه الجهات الأخرى وغاصت ، لا لكونها لا تتمتع بأهليتها الذاتية لتكوين جهة مستقلة مواجهة ، إنما بسبب ضغط التركيم المضاد.
والمعارف الكمية باعتبارها تخلق حالة تركيمية بمساعدة آلية الانشطار والاستقطاب ، بالتالي الكثير من "البيئات المكيفة" ، فإنها تنتج نوعاً من المعايير المتحوصلة والجاهزة للعمل والحركة عند وجود "القوة الضاغطة المكافئة" وهي كثيرة، ومنها : (الاتساق مع التجارب- الذاتية- المواقف الحادة والمؤثرة- الضرورة الآنية- الاتساق مع الطباع والرغائب- تأثير المعارف اللاشعورية ... الخ ) .
وتكون محصلة ذلك كله حدوث حالة منعدم موضوعية المعايير و"ازدواجها" وتضاربها .
فالمعايير التي تفرزها المعارف الكمية هي معاييرغير منضبطة ولا موضوعية ، لأنها نتاج تسلسل طويل وحركة ذهنية غير ممنهجة وهي تنتج أحكاماً قيميه غير معلومة التكوين ولا مترابطة ، كما يغلب عليها التعميم والاطراد والانفصال عن "الأسباب المكوّنة" التي دخلت إلى الذهن كخطاب (مصمت)غير محلل ، تتم الاقتطاع من أنسجته بشكل (تلقائي) ليلائم واقع "البيئة المكفية" التي تم ترشيحها بفعل إحدى القوى الضاغطة !!
فما هي الإحكام "القيمية" المقصودة ، وكيف تساهم في تدعيم هذه الآلية ؟!!
إن الإحكام القيمية هي عبارة عن "كم" من القواعد الحاسمة التي تم إحداثها بفعل الضخ الهائل للمعارف الكمية ، إلى درجة "الترسيب والتراكم" ، بحيث شكلت منظور التقييم الذي يتحكم في قبول القضايا الواقعة تحت موضوع القواعد أو وفقها ، وبشكل حاسم.
وطبيعة هذه القواعد أنها محصنة من الداخل لاستنادها على سلسلة طويلة من المعارف المصمتة- الخام- الخالية من أية "محددات" ترشد أو تساعد على أدراك أسسها وأصولها وخلفياتها القابعة وراءها .
وباعتبار الطبيعة "غير المحددة" لهذا الخام فان هذه الإحكام قادرة على الاختفاء وراء أغلفته الكثيفة لمواجهة الظروف غير المناسبة التي يحدثها "النقد والاستقصاء" ، قادرة على الظهور والتمثل لإفراز الحواجز والمضادات أمام أي "تسرب موضوعي" تحدثه الأحكام القيمية المغايرة ... إلا إن كانت هذه الأحكام هي وليدة معارف كمية أخرى جديرة بالمنافسة فعندها فقط يعلو غبار الصراع الذي يحسم في النهاية لصالح من انحازت إليه إحدى "القوى الضاغطة" الأكثر تأثيراً في ظرف ما.
فالإحكام القيمية المنتجة بفعل المعارف الكمية بإمكانها "التسرطن" "والانتشار" بطبعها ،لمحاصرة أي حكم موضوعي تحدثه "المعارف الواعية" المؤهلة ذاتياً ؛ لعدم اعتماد هذه المعارف الواعية على الكم المناسب للمواجهة ، فيتم تكسيرها وإخضاعها واحتواءها لصالح "المنظور المطلق" لهذا القواعد ، حيث انسياقها واتساقها ، أو استعصاؤها ونشا زها.
وهذا ما يلقي الضوء على الخلفية الكامنة وراء التمسك الحاد والمطلق بالحقائق المهترئة أوالمليئة بالثقوب، وغير المؤهلة ذاتياً للحياة ، والتحصن بها في مواجهة الحقائق السليمة الموضوعية الحية ، بلا أدنى سبب مقنع جوهريا.
إن محاكم القيمة المحدثة بفعل المعارف الكمية لا تملك أية قوانين أو معايير يمكن تقيمها بشكل مستقل ومحايد عن "القناعة" التي تفرضها هي نفسها لتشكيل المعايير أو الضوابط التي على وفقها يتم إصدار الإحكام ، وبالتالي فهي لا تبالي بإصدارها وتنفيذها أيضاً ، لتتم "الإعدامات الجماعية" وبالجملة للقواعد الموضوعية المغايرة وفي وضح النهار .
فالقواعد الموضوعية أمام هذه القواعد المقامة على أرضية المعارف الكمية حقائق ضعيفة ومعزولة وعزلي عن أي سلاح ، إلا إذا تم تحريك أحكام قيميه أخرى راكدة تم العثور عليها ، ليتحقق لها الدعم والمساندة .
وحتى في هذه الحالة كان اعتمادها وفق قوانين وآليات "المعارف الكمية" ، لا لأنها تمتلك قوة ذاتية مؤهلة موضوعياً لترشيحها واختيارها من الحقائق المغايرة... وبالتالي سيتم إدماجها هي أيضاً كذلك ضمن إطارها لتضفي عليها خصائصها ومواصفاتها .
· فالمعارف الكمية فاقدة- بطبيعتها- لأية معيارية موضوعية.
فما هي المعيارية الموضوعية بالتحديد ؟
أن المعيارية الموضوعية تحديداً تعني الضوابط والمعايير التي يمكنها تقييم الحقائق بشكل (جدي / علمي) ومحايد ومستقل عن أسر المعارف الكمية "المرسبة والمراكمة" والتي تتصف بعدم استعصائها هي نفسها عن التقييم والاستقصاء بشكل علمي وكامل.
* فالمعارف الكمية غير مؤسسة منهجياً ولا معلومة الأصول والتكوين ، ولا تحكمها معايير وضوابط موضوعية ... وهذا ما يفسر الشلل الذي يصيب الذهنية "الكمية" في مواجهة النقائض والأضداد التي تم تصديرها أليها للتعايش معاً وتحت سقف واحد متصالحة سلمياً وبلا أدنى إشكال !!
فالذهنية "الكمية" ذهنية متسقة متوائمة في داخلها بشكل ذاتي، ولكنها ذهنية متصارعة ومتحاربة موضوعي-في الحقيقة-، لابتلائها بالنقائض والأضداد.
ولهذا يمكن للذهنية الموضوعية أن تلاحظ بوضوح عميق الخلل وعنت المواجهة بين الأحكام والمعايير والضوابط التي تنتجها آليات "الذهنية الكمية".
فالذهنية الكمية ذهنية عمياء عن التمييز المحايد والمستقل عن المعارف المرسبة و المراكمة.
وما توصل هذه الذهنية إلى بعض الحقائق إلا تعميداً لآلية المعارف الكمية التي فرضتها بمنطق الهيمنة والسطوة،وليس لكونها معارف أو حقائق اكتسبت جدارتها بشكل ذاتي وبمعزل عن هذه الآلية ، أي أنها قد انتهضت وترشحت بسبب حيازتها على الشروط المناسبة التي أهلتها للاتساق مع مفاعيل المعرفة الكمية،دون أي سبب أخر.
ولهذا ستظل الذهنية الكمية وما تحمله من معارف وأحكام قيمية عصية على النقد ، عصية على التطوير، عصية على النمو الحقيقي وبإطلاق.
· فآلية المعارف الكمية لا يمكن أن تؤسس المعرفة الموضوعية.
بل هي عقبة أساسية في طريق تأسيسها وهضمها وتمثيلها وتطويرها.
وعند هذا الحد نقف كختم للجزء الأول ليليه الجزء الثاني معالجاً:
1- الاستقراء وإشكالاته.
2- المناهج وإشكالاتها.
3- الخاتمة.



آلية الاستقراء

يعد الاستقراء من أهم الآليات التي يوظفها العقل في تحصيل وإنتاج المعرفة.
وبالرغم من أهمية هذه الآلية في هذا الإطار، إلا أنها لم تكن بمعزل عن الإشكالات التي لها بالغ الأثر في إعاقة الحركة تجاه تأسيس المعرفة الموضوعية.
والإشكالات من هذا النوع، التي لا يمكن "للعقل المجرد" أن يدرك حقيقتها بصورة صحيحة حيث تبدو له متساوقة منسجمة مع بيئته الداخلية .
فما هو مفهوم الاستقراء ، وما هي وظيفته، وحقيقة هذه الإشكالات ؟
ذلك ما سنتعرف عليه، بعد مقدمة إجرائية ضرورية تعيننا على تفهم هذا الموضوع، فنقول:
إن العقل كأداة، لا يمكن أن يتقوم ويمارس وظيفته، إلا بانتهاض الكلي فيه ، فالكلي هو قوام العقل، ومستند التفكير .
فما المقصود بالكلى ؟! وما هي ضرورته ؟! ومن أين يستقى ؟! وما هي وظيفته ؟!!

أولاً : مفهوم الكلي :
إنه الوجه المقابل للجزئي، كمفهوم ذهني إطلاقي.
ومعنى كونه إطلاقياً : يعنى أنه غير مقيد بزمن أو مكان أو هيئة أو ظرف ... الخ..من القيود ذات العلاقة في الوجود.
,هو بذلك تصور ذهني من حيث وجوده بهذه الصورة ... أي أنه مفهوم، غير مجسد في التصور، إلا من خلال إدراكنا، لوجود جزئيات ، أو تفاصيل مندرجة تحت متعلقه في الوجود، من حيث كونها ما صدقات وتجسيدات واقعية معبرة عنه .
ثانياً : ضرورة الكلي :
تأتي ضرورة الكلي انطلاقاً من ضرورة انتهاض المبادئ والمقدمات كأساس لقيام التفكير وتحصيل المعرفة .
هذه المقدمات التي لابد أن تكون كلية لا جزئية ... ومن هنا تتحدد وظيفة الكلي .
ثالثاً : وظيفة الكلي :
انه بدون الكلي لا يستطيع العقل "السيطرة" على شتات الظواهر المترامية والمبعثرة.
فالكلي يوفر للعقل إمكانية التماس الوحدة العضوية القائمة بين الظواهر ، والتي تختبئ وراء اختلافها وتباينها – الظاهري – الخارجي.
وإذا افترضنا إمكان الاستغناء عن الكلي لزمنا افتراض عدم ضرورة تأسيس اللاحق على السابق، فهل يمكن ذلك .
لاشك أن ذلك غير ممكن ، لأن افتراض اللاحق يستدعى – بالضرورة – السابق، وإلا فاللاحق سيلحق بماذا ؟
إذ لا يمكن أن يتم الإلحاق إلا بوجود معنى مشترك حقيقي ، يخول إعطاء اللاحق حكم ومعنى السابق من جهته.
لأنه لا يمكن أن يؤلف بين أمر وأخر دون معنى جامع ، ولا أن يبنى أمر على أخر دون اشتراك في علاقة ما، ولا أن يعمم "معنى" دون قيام حد مشترك.
وليس ذلك إلا ضرورة الكلي ، وتلك هي وظيفته القاضية بـ :تمكين العقل من أدراك "الوحدة العضوية" الجامعة لشتات الظواهر "للسيطرة عليها" .
رابعاً : استمداد الكلي :
عرفنا أنه لابد للعقل كي يسيطر على شتات الظواهر والموضوعات من خلال التماسه "للوحدة العضوية" القائمة بينها – حقيقة- على اختلافها وتباينها... لابد له من اعتماد المقدمات والمبادئ التي لابد أن تكون كلية لا جزئية .
وعرفنا
[10] أن هذه الظواهر هي التي تشكل "الإطار المرجعي" الذي يجب أن يستند إليه العقل ويتحدد به وفيه.
وإذا كانت هذه الظواهر ما هي إلا شتات مختلف ومتباين يراد السيطرة عليه بنظمه في معنى كلي ، فمن أين لنا أن نأتي بالكلى ؟
انطلاقاً من أن الكلي ينظم شتات الجزئيات المختلفة والمتباينة ،ويعبرعن حقيقتها ، وباعتبار أن الكلي هو مفهوم ذهني إطلاقي ، فان ذلك يعني أنه لا كلي في "الواقع" ، إنما هي جزئيات، أو ما صدقات، أو تجسيدات معبرة عنه لا غير، بالتالي فان الجزئيات هي مقوم الكلي.
فإذا تقرر ذلك فانه تنطرح لدينا ضرورتان متحصلتان لزوماً :
( الأولى ): ضرورة وجود معنى الكلي في مندغم في الجزئي ، مباطن له،مندمج في بنيته متضمن فيه.
لأنه لو لم يكن موجوداً في الحقيقة المعاينة، وكان الجزئي خالياً منه،فكيف يمكن لنا تحصيله ؟
( الثانية ) : ضرورة أن لا يكون وجود هذا المعنى الكلي في جزئي واحد.
وألا لما كان هناك داع للكلى ، أو أنه سيكون هو نفسه الجزئي ، وهذا تناقض لا يصح .
ومن هنا تأتي ضرورة الاستقراء باعتباره أداة التتبع للجزئيات ، فلنبدأ بوظيفته أولاً :

وظيفة الاستقراء:
لقد تعمدنا البدء بوظيفة الاستقراء قبل التعرض لمفهومه ، لأنها ستحدد لنا هذا المفهوم .
وترتيباً على ما سبق فان وظيفة الاستقراء هي :
استنطاق الجزئيات لتفصح عن كليها، وذلك باعتبار أن هذه الجزئيات – في المفترض – حاوية للكلي، متضمنة لمعناه.
مفهوم الاستقراء:
وفقاً لهذه الوظيفة وأدراجا للضرورات التي ذكرنا آنفا يتحدد مفهوم الاستقراء في التالي :
انه الأداة التي يتم بواسطتها استنطاق الجزئيات لتفصح عن كليها من خلال التتبع.
هذا هو المفترض في الاستقراء: استنطاق الجزئيات لتفصح عن كليها.
ولكن ما هي الحقيقة ؟! وهل يمكن للاستقراء أن يؤدي هذه الوظيفة على كل حال ؟!
سؤال ينقلنا مباشرة إلى عمق الإشكاليات التي يمكن أن تتعلق بالاستقراء كفاعلية.
ولكن قبل ذلك، سنتجه إلى بيان أنواع الاستقراء، من جهة علاقته بالمعنى المراد تتبعه، وهو هنا يتفرع إلى ثلاثة أنواع :

الأول : استقراء الاسترجاع :
وهو عبارة عن انبثاق معنى محدد في الذهن، بشكل تلقائي،بسبب كثافة الخبرات الاستقرائية التي تم تركيمها، بشكل اللاواعي.
،حيث يثار موضوع هذه الخبرات في الذهن، بفعل مثير أو منبه ما، إلى حد انبعاث معنى معين، يحتمل أن يكون هو الكلي،الذي تنتظم فيه الجزئيات، موضوع المشاهدة والملاحظة.
إلا أن هذا الاحتمال، يظل مجرد فرض، لا يؤسس سوى الإمكان العقلي فقط، إلا بأن يتبع باستقراء للجزئيات،و التحقق من مدى تضمنها،لهذا المعنى "كمحتوى واقعي" معبر عن حقيقتها وطبيعتها.

الثاني : استقراء التعدية :
وهو عبارة عن فاعلية عقلية، معنية بتتبع وتقصي وجود معنى معين،قد تحقق وجوده في جزئي واحد.. وذلك لأجل التأكد من حقيقة وجود هذا المعنى في بقية الإفراديات الجزئية،كاحتمال لأن يكون هذا المعنى هو عينه ما يعبر عن الكلي.
إذن فهو مجرد احتمال، أو مجرد فرض،لا يؤسس سوى الإمكان العقلي لا غير.
بالتالي لا يمكن تعديته إلى بقية الجزئيات، كمعنى مشترك،معبر عن الكلي الذي يحكمها، إلا بأن يتم التحقق، من مدى تضمنها له، كمحتوى واقعي، معبر عن الطبيعة البسيطة.

الثالث : استقراء الافتراض:
وهو عبارة عن فاعلية عقلية، معنية بتتبع وتقصي وجود معنى معين،مفترض نظرياً،في كم معين من الجزئيات ، وذلك للتأكد من حقيقة وجود هذا المعنى فيها واقعياً.
وبذلك يمكننا الانتقال إلى مطارحة الإشكالات، التي يمكن أن تتعلق بعملية الاستقراء ، وما تستدعيه من أمور.
إشكال الاستقراء.
عرفنا أن الاستقراء،هو الأداة التي يتم بواسطتها، استنطاق الجزئيات، لكي تفصح عن كليها .. فهل يمكن لعملية الاستقراء، أن تؤدي هذه الوظيفة، في جميع الأحوال، بحيث تكون حصيلة هذه العملية،صائبة على الدوام .
أي، متى تمت عملية الاستقراء، يمكننا القول، بأننا قد تحصلنا على الكلي الحقيقي،وأدركنا كذلك الجزئيات المنتمية أليه حقيقة.
انطلاقاً من أن المعنى الكلي المقصود، هو المعنى المعبر،عن الفحوى المشترك، بين الإفراديات الجزئية،فان ذلك يستدعي أن يكون الاستقراء،منصباً على تتبع المعاني المعبرة عن حقيقة الجزئيات وطبيعتها، التي هي طبيعة الكلي وحقيقته،بحيث تشكل تلك الجزئيات بتضافرها،ذاك المعنى الكلي المجرد،المبحوث عنه.وذلك يستلزم بالضرورة جملة من الأمور، أهمها:
§ تتبع الخصائص،والطبائع الذاتية للإفراديات، وذلك لغرض الوقوف،على ماهيتها لمعرفة ما إذا كانت هي موضوع الاستقراء أم لا ؟
باعتبار أن هذا الاستقراء موجه-في الأساس- للبحث عن موضوع محدد،أو معنى محدد للتحقق من مدى كونه كلياً أم لا ؟
§ التحقق من اطراد الخصائص المفترضة، في جميع الإفراديات الجزئية ،وذلك لغرض الوقوف على أن جميعها، قد تضمن هذه الخصائص أم لا؟
باعتبار إن إثبات الاطراد في جميع الجزئيات، هو ما يؤكد حقيقة وجود المعنى الجامع، أو المحتوي المشترك بينها.
§ التحقق من أن هذا الكم من الجزئيات، كاف عند تضافره للتعبير عن "المعنى الكلي" ،بحيث يمكننا القول،بأن هذا المعنى هو القانون الكلي،الذي يحكم بقية الجزئيات، التي لم يتم استقراؤها بعد.
§ التحقق من انتماء الجزئيات المتتبعة، التي تنصب عليها فاعلية الاستقراء ، إلى موضوعها المكون الكلي،وذلك بالوقوف على العلاقة الجامعة، بين المعنى الذي يحتويه الجزئي كحد أساس معبر عن الطبيعة ، وبين المعنى المراد تأسيسه كلياً.
ومن اليسير هنا ملاحظة أن الاستقراء كفاعلية للتتبع، هو مجرد أداة، يتم توجيهها، للبحث والتفتيش، عن معنى محدد، في كم محدد من الجزئيات.
وهو بالتالي، عاجز عن أن يمدنا، بمعنى ما لم يحدد له سلفاً، أو أن يكشف لنا عن خصائص الأشياء، أو طبائعها،أو أن يعين لنا الكم الكافي لإقامة الكلي، انطلاقأ من اكتشاف الحد الجامع في عدد كاف من الجزئيات ...الخ.
، فإذا ضمناه – مثلاً- أن الحديد يتمدد بالحرارة، ووجهناه إلى عدد من قطع معدن الحديد الواقعة تحت درجة حرارة معينة ، فانه سيلاحظ فقط، هذا المعنى بلا مزيد.
أما إذا كانت هناك عوامل أخرى: كنوع القطع، أو كثافتها، أو طبيعة الاختلاف بينها، وهل يؤثر ذلك ، في طبيعة التجربة أم لا؟ ...أو غير ذلك،فإنه سيكون عاجزاً عن تقديم، أية دلائل مفيدة في هذا الخصوص.
من هنا يمكننا تحديد أهم الإشكالات، و أكثرها تعبيراً عن طبيعة المآزق، الذي تكتنف فاعليات العقل المجرد ، لبيان انعدام قدرة هذا العقل،على توظيف آلية الاستقراء، إلا في مستواها البدائي.وبالتالي عجزه عن التعامل، مع محددات المعرفة الموضوعية.
مما يطرح أمامنا، ضرورة التساؤل عن طبيعة الشروط اللازمة، لضمان عدم الانحراف عن المعنى "الواقعي" الموضوعي، بديلاً عن تمسكنا بالمعاني الصورية.
بالتالي ضرورة التساؤل، عن طبيعة الآليات والمناهج، التي من شأنها أن توفر المقومات السليمة، التي يجب أن يستند أليها الفعل العقلي، في مرحلة تأسيس العناصر اللازمة للاستقراء .
إذن ما هي أهم إشكالات الاستقراء، التي من شأنها، إفساد هذه الفاعلية؟
لنا أن نقول: بأن أهم هذه الإشكاليات ما يلي:
§ إشكال المعنى، الذي تم توجيه الاستقراء به واليه.
§ إشكال الكشف عن "المحتوي الواقعي" للأشياء ، لأدراك طبيعة الجزئيات موضوع الاستقراء ، وما تقوم به.
§ إشكال الكم الكافي لا قامة الكلي.
§ إشكال الإلحاق، وأدراك العلاقة التي تؤسسه.
§ إشكال الكشف عن الوحدة الموضوعية، التي تستدعي إدراك الجامع، أوالرابط المؤسس لهذه الوحدة.
§ إشكال الإطار المرجعي،المستند أليه في توجيه التفكير ومراقبته .
أولاً : إشكال التوجيه.
انطلاقاً من أن الاستقراء، مجرد أداة، قد تم توجيهها إلى معنى ما،لغرض تقصيه، وتتبعه، فذلك يعني أنه محكوم من خارجه.
وباعتبار أن العقل، هو الأداة أو الفاعلية المخولة لإقامة العلاقات، والروابط بين أجزاء الظواهر، والموضوعات وعناصرها، لتكوين تصورعنها.فإنه من غير المنطقي، عدم التساؤل عن طبيعة الضمانات، التي تكفل سلامة الفعل العقلي، وتصدق على اختياره للمعنى الذي وجه إليه، فاعليات الاستقراء، لغرض تقصيه وتتبعه..
أي ما هي طبيعة الضمانات، التي تكفل سلامة الفعل العقلي، بحيث يمتنع الانحراف عن المعنى الواقعي الموضوعي إلي مجرد معنى صوري، ذهني، وحسب.
أو بعبارة أخرى: ماهي الضمانة، التي تكفل صحة العناصر، التي تم تضمينها للاستقراء وتوجيهه بها ؟
وهذا يطرح من جديد، الإشكالات التي تعرضنا لذكرها فيما يتعلق، بالآليات التي أتينا عليها في الجزء الأول، من مثل:
إشكال آلية التحليل وآلية التضمين ، وآلية المنهج الوصفي الشكلانى ... الخ
وذلك يطرح أيضاً، ضرورة الكشف عن المحتوى الواقعي، لإدراك المعنى المطلوب في التعبير عن الكلي ، أو لإلحاق الجزئي بالكلى ، وهو متعلق الإشكال التالي :
ثانياً : إشكال الكشف .
إذا كان الاستقراء كفاعلية، لابد أن يضمنّ معنى ما،قبل انخراطه في أداء وظيفته المناطة به، فإنه لابد من أن تسبق ذلك ،بعض الإجراءات ،المتعلقة باكتشاف تكونّ هذا المعنى من جهة ، و مدى وجوده في الجزئيات من جهة أخرى ، وذلك لضمان عدم توجيه الاستقراء بعناصر خاطئة، أو بتتبع معان لا تشترك في –الحد الجامع للمعنى-، بشكل حقيقي.
ومن ضمن هذه الإجراءات اللازمة، ضرورة الكشف عن المحتوى الواقعي" للأشياء،وهذا بطبيعة الحال، لا يتم إلا عن طريق التحليل.
والتحليل من حيث هو أداة للكشف، لا يمكنه أداء وظيفته، إلا بالاستناد على معارف سابقة ينطلق منها "كمسلمات" في عملية الكشف، وفك العلاقات وفضح الجهات.
وهذه المسلمات – ابتداء – مفتقرة إلى فاعليات العقل، الذي يستنطقها من خلال، ربط بعض العلاقات، وتكثيف بعض المعطيات السابقة، بالاستناد إلى معارف مكونة، ومنجزة أيضا ، وذلك بإحداث نوع من الروابط بينها، بالقدر الذي يؤهلها موضوعياً.
إلا أن ذلك – لكي يتم – لابد أن يسبق بالفرض والاحتمال، وقد عرفنا مسبقاً، بأن الفرض لا يؤسس سوى الإمكان العقلي وحسب، مما يعني أن تحققه واقعياً، يتطلب العودة إلى الواقع الموضوعي، للتحقق من طبيعة هذا الفرض، عن طريق التتبع والملاحظة والاستنتاج ، وذلك لا ينتهض بدون الاستقراء.‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
والاستقراء يستلزم – بالضرورة – أدراك طبيعة الشيء وما يقوم به ، وهو مالا يمكن للاستقراء أن يوفره بمجرده ، إنما لابد له من التحليل ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!
والتحليل لا يمكن أن يتحصل منه العلم وحده ، إنما لابد لذلك من الاستناد على معارف سابقة .... وهكذا ، مما يلزم منه الدور ،حيث يعود بنا إلى نقطة الانطلاق باستمرار ، وذلك هو أهم الإشكالات المتعلقة بالاستقراء.

ثالثاً : إشكال الكم العددي :
أن الكم بوصفه إطاراً، للكيف في الواقع الذهني، فإنه يتحدد فيه،ويتمثل بواسطته.
مما يعني، أنه لابد أن يكون محدداً، بكم ٍ كافٍ يؤهل للحكم ، بسلامة انتظام الكيف فيه بطريقة يقينية، موضوعية، بحيث يطرد هذا الكيف، كمضمون ومحتوى مشترك، لا يقومه إلا هم الإشتراك .


والكم العددي المجرد، لا يقوم تأسيس الاستقراء بطبعه ، إنما يقومه،طبيعة حكمنا على كفاية هذا العدد من الجزئيات ، لتقرير تضمنها للمعنى المراد تعميده، بالنفي أو الإثبات.
وهذا بدوره، يفرز إشكالية العدد المقوم للمعنى، الذي لا يمكن أن يكون بدون إدراك الكم الكافي، الذي يصلح معه الجزم، بنيابته عما لم يتم استقراءه.
ويمكننا تكثيف الإشكال في السؤال التالي :
كيف نجزم بأن هذا المعنى الذي أفرزه لنا هذا الكم ، لم يكن معنى قائماً في هذه الافراديات فقط ، لانتهاض ظروف خاصة ، أو لتساوق ما لا يقوم إلا معنى صورياً ، أو شذوذاً عن النسق المقوم للظاهرة – من الجهة المعينة ... الخ ؟ وما إلى ذلك من الاحتمالات، التي تعد شوا غب أساسية، تتحلزن في طريق الحسم بكفاية العدد، وكونه مقوما للاشتراك بين إفراديات الموضوع، أو الظاهرة ككل، من الجهة المعينة، وبالشروط المعينة.

رابعاً: إشكال الإلحاق:
انطلاقاً من كون الاستقراء، يعد بمثابة فاعلية تضمينية،يعزى إليها، بتلقيم الموضوع، أو الظاهرة،بتصور أو مفهوم كلي ما، فإن علاقته بجزئية – المفترض- لابد وأن تتم بواسطة الإلحاق .. وإلا لما تأسس اجتماعها، كجزئيات، في كلي واحد.
وهذا يطرح عندنا "إشكالية الإلحاق" :
انطلاقاً من أن فاعلية الاستقراء، إنما تتجه في الأساس،للتعاطي مع أحدى أمرين،هما:
- تكوين كلي جديد .
- ألحاق جزئي بكلي ، (هو كليّه) .
والإلحاق في جوهره، قائم على تضمين معنى الكلي للجزئي..مما يعني، أنه لابد من افتراض علاقة ما، تم على أساسها الإلحاق.
ولكي يتم ذلك، فإنه لابد من أن ينحسم، وفقاً لشروط عملية موضوعية، تأخذ في اعتبارها الأمور التالية:
1- تحديد نوع العلاقة .
2- تحديد نسبتها من حيث اليقين وعدمه.
3- تحديد جهات الجزئي، التي يمكن أن تزاحم لفرض نفسها، على الصدارة
[11]
4- ترشيح الجهة المعينة لإلحاقها بهذا الكلي بعينه.
وهذه الشروط تعكس بدورها الأساس المنهجي، الذي يستند عليه إشكال الإلحاق، الذي يفرز مجدداً الإشكالات السابقة من مثل " أشكال آلية التماثل ، وأشكال الكشف، وأشكال الاستقراء بالجملة ، " وكذلك إشكال الإطار المرجعي .
مما يعود بنا إلى نقطة الانطلاق من جديد، وبالتالي يظل الإلحاق، مجرد عملية ربط بين علاقة وأخرى، بدون جسر حقيقي ، إنما مجرد انزلاق من الشبه، والمماثلة إلى المطابقة، مما يجعل من الاستقراء، يفقد أهميته،كمعامل من معاملات، تأسيس المعرفة الموضوعية.

خامساً : ( أشكال الوسيط الجامع ) :
انطلاقاً من ضرورة انتهاض الكلي كمفهوم لقيام فاعلية العقل ، باعتباره شرطاً أساسياًً لتمكن العقل من السيطرة على شتات الظواهر والموضوعات ، المختلفة والمتباينة .
لأنه لكي نفهمها فإنه لابد من إدراك الوحدة العضوية الجامعة بينها.
وهذا هو بالضبط، ما يبرر تساؤلنا-هنا- عن طبيعة الضمانات، التي تبرر للعقل، أن يتيقن بسلامة حكمة، بوجود هذه الوحدة أو ذاك .
أليس ذلك يستدعي نوعاً من الربط بين المنفصلات والمختلفات؟
وهل يمكن أن يتم هذا الربط، إلا (بوسيط) جامع؟
ولكن أي جامع والمواضيع والظواهر، ما هي إلا شتات مختلف،و أجزاء منفصلة؟
ثم ألا يمكن أن يكون الرابط،الذي عمدناه وسيطاً، بين علاقة وأخرى،هو غير الرابط الحقيقي كما هو في الواقع الموضوعي؟،إنما هو مجرد تماثل، أوشبه.
ألا يعني ذلك الوقوع في فخ المماثلة، في كل مرحلة من مراحل التأسيس؟
ما يلزم منه- إن وقع – الجمع بين عوالم مفككة،غير منتظمة في إطار واحد،عوالم من المتناقضات والمتنافرات موضوعياً، بحيث لا يمكنها أن تؤدي وظيفة، فكرية أو معرفية موضوعية.
وكيف يمكن لها ذلك،وهي لا ترتبط بعالم واحد يؤطرها؟

سادساً : إشكال الإطار المرجعي:
ما المقصود بالإطار المرجعي أولاً؟
إنه الإطار الذي يحدد النظر، إلى العلاقات والأشياء، والظواهر والموضوعات.
فنحن لا نعرف الأشياء، ولا المواضيع، ولا الظواهر المحيطة بنا ، ولا نحكم عليها، ولا أن نتعرف على طبائعها ، ولا خواصها ولا أوصافها ....إلا من خلال ما نربطه بهذا الإطار نوعاً من الربط .
باعتبار أن العقل هو عبارة، عن جملة من المفاهيم والتصورات،التي تشكل المستند الذي تتحدد به علاقتنا، بالأشياء ، بغض النظر عن طريقة فهمنا لها ، أو كيفية تعاملنا معها ، أو نوعية ردود أفعالنا حيالها ... الخ.
· فالإطار المرجعي، هو الذي يمدنا بالمرتكزات، والمقاييس، التي نقيس بها الأشياء بالنسبة إلينا.
إنه بنية، أو كيان ينظم العالم من حولنا،وفينا،بالقياس إليه.
وليس هناك سوى أربعة أطر يمكن أن تؤدي هذه الوظيفة – بغض النظر عن مدى الكفاءة التي تتمتع بها :
1- النظام البدهي"المتمثل في القوانين الأساسية،والأولية" ، وهو الإطار الأساسي لحركة العقل بالجملة .
2- المعارف المتلقاة سابقاً .
3- المناهج .
4- المشاهدة والتجربة بقسميها :
أ‌- التجربة العقلية .
ب‌- التجربة الحسية .
والإطار المرجعي – إجمالا – هو الذي يشكل جملة المفاهيم، والرؤى والأدوات الفكرية والمعرفية والمنهجية ، والقيم العلمية والجمالية والأخلاقية.
ويتحدد إشكاله الأساسي، في طبيعة الأداة المكونة له،ومصدرها.
وهذا سيرتد بنا فوراً، إلى القول، بضرورة الاستقراء .
والاستقراء يستدعي جملة الإشكاليات، التي تعرضنا لها في مجمل ما سبق، ليعود بنا الأمر إلى نقطة الانطلاق من جديد.
· فآلية الاستقراء، لا يمكن أن تؤسس المعرفة الموضوعية، دون أن تكون هناك إجراءات حاسمة، تتجاوز الإشكالات، التي تقف حائلاً دون التأسيس الموضوعي.
وبهذا الحد، نصل إلى مجمل الآليات، التي يوظفها العقل المجرد،وفي مستواها (البدائي) الأولى، بالرغم من كونها آليات أساسية في النشاط الذهني،إلا أنها تقف عند حد معين لا يمكن معه مطابقة العلاقة الضرورية اليقينية، التي تؤسس العلم.
، بالتالي لابد من مساندتها بإجراءات ضرورية، لتجاوز إشكالاتها التي تعلقت بها ، وإلا فإن "العقل " سيتحول إلى مجرد سلة،لتجميع "المهملات" التي لا رابط بينها، سوى وجودها في فضاء فيزيائي واحد .
رغم كل الإجراءات التي يقوم بها العقل داخلياً، لفرض نوع من الانسجام الوهمي بين البنى والكيانات والأنساق. لا كمنظومة متناسقة،متكاملة،بل كأجزاء ونتف، غير قابلة للوجود والحياة بالمعنى الوظيفي الإيجابي.
أي ككائنات طفيلية،أو فجوات مطاطة، قابلة لاحتواء أي شيء، دون فصل أو تمييز.
لأن الإطار هو الذي يعطي المفهوم شكله المنهجي ، ليؤدي وظيفة معرفية أو فكرية...الخ
أما هذا النوع من المفاهيم المتدفقة، والمتعارضة فلا يمكنها، أن تبني شيئاً ، لعدم ارتباطها بعالم معين من الأطر،ليعطيه سمتاً ومعنى.
وبذلك نكون قد وقفنا،على حقيقة عدم جدوى اعتماد هذه الآليات، في مستواها "البدائي" ، ليتبين لنا مدى الإشكال و خطورته، عند "العقل المجرد " المستند على مثل هذه الآليات،في تحصيل المعرفة، و إنتاجها وتطويرها.
وهذا ما يحدو بنا إلى استدعاء المناهج المؤسسة ، لتطوير صلاحيات تلك الآليات وتمكينها من أداء وظيفة حقيقية، بمعزل عن الإشكالات التي تعترضها.
فما هي وظيفة المناهج بالتحديد؟
وما مدى أهميتها؟؟
وهل ثمة إشكالات يمكن أن تتعلق بها؟
أولاً: وظيفة المناهج :
تتمثل وظيفة المناهج الأساسية، في قدرتها على تشكيل، منظور عام، يحكم اجتماع منظومة ما، حتى لا تتبدد وحداتها أشتاتا.
فهي بمثابة النظام العام، الذي يحمي الوحدات، من البعثرة والضياع .
فالمنهج يشكل وضعية "المحور الثابت" الذي تدور عليه المفاهيم ، والمظلة التي تظل جميع أجزائه.

ثانياً : أهمية المناهج :
تكمن أهمية المناهج في كونها تشكل بمجموعها،الأرضية الثابتة الواضحة، التي تقف عليها حركة التفكير في مراحل تنقلها، من النظام البدهي تجاه التأسيس.
وذلك باعتبار صرامتها وانضباطها وتحددها ، مما يؤهلها لأن تتما هي "بمحددات" العقل الأساسية النظام البدهي الكلي- الأساسي، لتقوم بوظيفة "الدعم والتوجيه" ، وقاعدة "الاعتماد والارتكاز، في كثير من مراحل التفكير، أوفي مسافة ما من مسافات تنقله ، أوفي حلقة من حلقات هذه المسافات التي يقطعها،تجاه التأسيس.

ثالثاً : أشكال المناهج:
باعتبار أن المناهج تشكل قواعد الارتكاز في بعض مراحل التفكير ، بحيث تقوم بتكثيف المسافات وتنظيمها ، وتصنيفها ، فان ذلك يعني أنها معارف مؤسسة في حقيقتها ، بيد أنها قد صيغت في قوانين كلية ، هي عبارة عن كم هائل من (العلاقات والنسب والروابط...) التي تمت صياغتها في صورة ، يمكن استخدامها ، في عملية تحصيل المعرفة.
وتتحدد إشكاليات المناهج في أربع رئيسية، هي :
1- إشكال التأسيس .
2- إشكال التأثير.
3- إشكال الانتشار والامتداد .
4- إشكال الحلقات الذاتية .

أولاً : إشكال التأسيس:
ويقوم هذا التأسيس إجمالاً على جملة من الأمور التالية:
أ‌- ترجمة الظاهرة، أو الموضوع الخارجي إلى قانون مجرد.
ب‌- مقابلته بالقانون الداخلي المنجز.
فان ذلك يستدعي جملة إشكالات تتعلق بالآتي :
1- صحة المعرفة المكونة في العقل .
2- صحة صياغة القانون الداخلي لهذه المعرفة.
3- صحة صياغة القانوني الخارجي .
4- صحة المعايرة بين كلا القانونين.
وانطلاقاً من استحالة إدراك العلاقات "المتغيرة" إلا بالمعايرة والمقابلة "بقيمة ثابتة" فان ذلك يطرح مجموعة إشكاليات إضافية:
1- إشكال تأسيس القيمة الثابتة، ما هو مستندة ومرجعياته.
2- إشكال صياغة هذه القيمة، إلى قانون مجرد ، ما هي الآليات،والمناهج الموظفة لذلك ؟
وما مدى تأهيلها ؟
3- إشكال إدراك المتغير على هيئته "البسيطة" ، ما هي الإجراءات اللازمة لذلك؟
وما هو مستندها ومؤسسها ؟
4- إشكال صياغة المتغير على هيئة قانون مجرد ، ما هي المناهج والآليات، والإجراءات التي تضمن صحتها؟
5- إشكال المعايرة ، ما هو مقومها، وما مدى انضباطها وصحتها ؟
مما يعني أن "الخطأ" في تأسيس المنهج سيؤدي إلى أن يكون التفكير مرتكزاً في حركته على أرضية موهومة ،وبتوجيه موهوم ، بالتالي سينتج عنه- بالضرورة- مقدمات وقواعد صورية غير موضوعية .
وبما أن التأسيس لابد من مناهج، وآليات فان ذلك يستدعي جميع الإشكالات التي تعرضنا لأهمها سابقاً .

ثانياً : أشكال التأثير:
عرفنا أن المناهج هي التي تحدد للعقل المرتكزات، التي يتحرك عليها ويتوجه بها، بيد أنها ستظل محدودة التأثير في توجيه العقل ، لضعف مستوى تأثيرها عن مستوى تأثير " الآليات البدائية " والمعارف " الكمية " ، التي تسعى هي الأخرى لتوجيه العقل، والتأثير في حركته عن طريق اجتراح فاعليات، ومجالات حيوية موازية.
مما يستلزم، وجود فاعليات قادرة على المراقبة، والضبط الصارم،للحد من " سيطرة" الآليات البدائية،والمعارف الكمية على حركة التفكير ، والتقليل من خطورة إشكالاتها .
وذلك يطرح – بدوره – إشكالين :
الأول : إشكال تدخل الانفعالات والعواطف،الميولات الذاتية، والمعارف السابقة .
الثاني : إشكال التركيب العصبي العضوي،والبيولوجي،وما يعتريه من مشاكل، تؤثر في فاعلية المتابعة الدقيقة،والصارمة طول فترة الحركة والإنجاز.

ثالثاً : إشكال الامتداد والانتشار.
باعتبار أن فاعلية المناهج، قائمة- في الأساس- على تموضع عناصرها، في نقاط ارتكاز التي تعد بمثابة "المفاصل" المقومة، لحركة العقل ، فان ذلك سيحد من انتشارها، وامتدادها بالقدر الذي يعجزها عن تغطية جميع الثغرات، المبسوطة على مسافات شاسعة من التفكير.
بالتالي فان حركة العقل بين هذه المفاصل، ستظل بعيدة عن توجيه المناهج،ومراقبتها، مما يفقدها الضمانة الكافية لسلامة هذه الحركة.
وذلك يفرز إشكالا مزدوجاً متمثلاً في التالي :
أ‌- ضرورة أن يحدد التفكير، مقدار المسافة،التي عليه أن يتحركها بنفسه،دون ارتكاز على أرضية المناهج .
ب‌- ضرورة أن يحدد مقدار المسافة، التي ينبغي أن لا يتعداها، حتى لا يخرج عن مجال توجيه المناهج .
ت‌- وهذا مالا يوفره المنهج ، أو يفرضه على العقل .

رابعاً : إشكال الحلقات الذاتية
انطلاقاً من كون تأسيس المناهج قائماً – في بعض مراحله – على الاستناد إلى معارف مكونة سابقاً ، فان ذلك يطرح إشكالين :
(الأول) : باعتبار أن المعارف السابقة،والمفاهيم المكونة والمنجزة،لابد أن تكون هي أيضاً قائمةعلى معرفة،أو مفاهيم سابقة .... وهكذ،ا حتى (ينصرم) التسلسل إلى (النظام البدهي) ، وهو نظام غير قابل للبرهنة ميكانيكياً
[12]،.
(الثاني) :باعتبار أن المعارف الناجزة، هي عبارة عن تراكم هائل، من المعارف المتسلسلة ،فإنه ميكانيكياً:
1- يستحيل كشف جميع حلقات هذا التراكم،وتتبعها.
2- يستحيل ترتيبها،وترتيب وقوعها في الذهن.
3- يستحيل اكتشاف محدداتها ونسبها مع ما هو من مثلها .
وهذا يضعنا أمام الإشكال مباشرة، وهو إشكال الحلقات الذاتية ، التي يستحيل تأسيسها ، بطريقة موضوعية، أو علمية،رغم أنها نقطة البداية ، في كل عملية تفكير.
ولاشك بأن العلم الحديث ، يعترف بمحدودية قدرته، على تجاوز هذه الإشكالية، بشكل جدري رغم كل محاولاته الجاهدة ،لتأسيس مناهج تتخطى هذه الحلقات، إلى مرتكزات يقينية بديلة.
· فالمناهج إذا لم يتم تجاوز اشكالاتها – علمياً – فستخضع هي الأخرى إلى سيطرة العقل المجرد
[13] الذي يتكفل بعملية هضمها وإدمجها ضمن (أنساقه) الداخلية،بعيدة عن التحدد بالموضوعية لعلمية .
وثمة أشكال آخر يتعلق بالمناهج، قد أجلنا ذكره، إلى ختام حديثنا على المناهج لأهميته وضرورته .
بالنظر إلى أن المناهج،بعد تكوينها ستصبح معطى سائداً، بكل ما يعنيه من فاعليات متجهة إلى تجييش كل ما يمكنها من آليات ، وتقنيات للدفع عن معطياتها المنجزة، في مواجهة البدائل الضاغطة.
وهذا في حد ذاته لا إشكال فيه ،إنما ينبثق الإشكال،عندما تجند هذه الآليات في إطار حركة
السجال
[14]،التي تستتبع إفراز معارف جديدة،تتسلل تباعاً، إلى صميم المنهج ، وتأخذ بعداً (بنائياً) متموهاً بأطره ، وأسسه المتناقضة مع هذا المنهج .
وبعد هذه البسطة،نعود لنقف على إشكال "العقل المجرد" ونتائجه ، باعتباره يوظف آلياته اللاعلمية ، في التأثير على فاعلية هذا العقل، وأبنيته ، وأنساقه، التي يعتمدها ، وينتجها.
فما حقيقة هذا الانعكاس ؟؟.
أولاً : حركة العقل المجرد:
إن الاعتماد على مجرد توجيه المنطق الداخلي للعقل، والتحدد بفاعلياته ، وأنساقه الخاصة، سوف يؤهل هذا العقل،إلى قبول حالة من التكيف مع تداخل الأنساق،(المعارف والتصورات والمفاهيم ...الخ).
مما يفقدها شكلها وقدرتها على التمايز، بل ويكسبها قدراً من المرونة والفاعلية،والقدرة على التمطط والتشكل والاندماج، بسبب ضعف تأثير النظام البدهي(+ الإطار المرجعي)، الذي ترشح دوره ، في ظل غياب البديل النوعي ، الذي تشكله المناهج المؤسسة تأسيساً علمياً.

وبهذا تتحدد إشكالات الحركة في الأتي:
1- عدم إدراك العقل للحظة الخلل ، التي فقد فيها هذا العقل ، قدرته على متابعة السير وفق توجيه النظام البدهي ، مما يعني دخوله "خط الخلل " الذي يفقد فيه وعنده السيطرة
على توازنه الداخلي .
2- عدم إدراك العقل للحظة العطالة التي فقد فيها هذا العقل ، قدرته على متابعة السير وفق محدداته، مما يعني دخوله "خط الانهيار " ، الذي يفقد عنده إمكاناته الذاتية، للمحافظة على توازنه الداخلي .
ثانياً : البنى التي ينتجها العقل المجرد :
لقد أشرنا فيما سبق ،إلى عدم موضوعية المعارف، المؤسسة على العقل المجرد، لاعتمادها في الأساس،على الآليات البدائية،والاتساق الداخلية بتوجيه النظام البدهي،وطبيعة الإشكالات

التي ينتجها ، ونوع البنى والأنساق المعتمدة ،في بنائه التكويني،والتي تتسم بعدة مواصفات أهمها :
1- إنها بنى غير مستقلة بنفسها .
2- بنى مفككة الأوصال والترابط .
3- بنى غير محصنة بشكل فعلى .
فهذه البنى –في حقيقتها النهائية- هي مجردة ضمائم، و أجزاء ، أو قطع مبتسرة، من عدة بنيات مختلفة متباينة، لا يؤسسها منطق واحد،بمقدوره تبيئة البنى الداخلة عليه.
بل أن هذه البني ستبقى أما منفصلة بعضها عن بعض ، في علاقة تجاور، أو في حالة اندماج ومزاوجة، تفقد معها، خصائصها الذاتية ، أو تتناحر وتتقاتل فيما بينها ، أو تتعلق مع احتفاظ كل عنصر منها بشيء من "الكلي" الذي تنتمي أليه حقيقة .
وبالتالي سوف لن تفرز، إلا مفاهيم مفككة جامدة ،كسيحة لا يمكنها أن تبنى فكراً ولا أن تؤطر رؤية أو حقيقة موضوعية.
وهذه إشكالات خطيرة، لا يمكن حلحلتها، إلا بتوافر أمور ضرورية، نجملها في التالي:
1- تكثيف المعطيات إلى حد انبعاث محدد موضوعي معين .
2- الإحالة انطلاقاً من علاقة مؤسسة معطاة، إلى علاقات جديدة يجرى بناؤها ،عبر جسر من العلاقات الضرورية المنطقية .
3- المحافظة على منطق التوازن،أثناء حركة التأسيس، لمنع حدوث أي خلل أو ثغرة، يمكنها أن تفرز حلقات وهمية، غير مؤسسة.
وهذه مالا يمكن للعقل المجرد أن يوفره ، لافتقاره لميكانزمات التوازن الداخلي،التي تمكن النظام من ترميم نفسه، كلما تعرض كيانه للخلل، أو تجاوزه إلى خط الأزمة أو الانهيار.
وهذا الإشكال سيظل مباطناً لهذا العقل،مباطناً لحركته،مباطناً لمجالاته،مادام مصراً على الحوار"داخل نفسه" ، معرضاً عن التجربة التي تصحح له المسار ، وتمنع آلياته من التهام ذاتها ، وتفتح أمامه المجال ليراجع نفسه ، ويتجدد ، وينمو .
فهل يمكن لهذا العقل بعد ذلك كله أن يقيم العلم ؟!!
كيف ذلك، وهي مجرد عوالم مفككة،غير منتظمة،تتعايش فيها المتعارضات والمتنافرات ، تحت سقف واحد، تعكس في سيلها، وتدفقها،وضعاً طبيعياً ، متفلتاً من خيوط السلطة، التي يمكنها فرض النظام على العقل والموضوعات؟

إذ أن من شأن هذا العقل ، أن يكون عاجزاً عن تأدية أية وظيفة معرفية، يمكنها أن تبنى فكراً أو تؤطر رؤية ، بشكل موضوعي.
من هنا فان معارضة "العقل المجرد"، لا ينبغي أن تفهم في إطار الاختلاف في وجهات النظر بين المناهج ، بل فيما يؤسس أصل النظر الموضوعي برمته .إذ أن مواصفات هذا العقل تحول دون النظر الموضوعي، والتأسيس العلمي ،بالنظر إلى أنه يتسم بجملة من السمات أهمها:
1- اتسامه بتطاحن الآليات، وتنافيها وتدافعها بدلاً من انسجامها وتكاملها .
2- كما أنه يتسم ، بعدم الوضوح في العلاقات،والوظائف .
3- والفوضى،وعدم الانتظام في الآليات .
وهذه السمات، تتميز بعدة مظاهر، يمكن ملاحظتها بوضوح منها :
أ‌- سيطرة التداعي،غياب التماسك، والتلاحم بين المفاهيم .
ب‌- التحطيم الذاتي للبنى والمكونات ، والتهام النظم .
ت‌- تحنيط المفاهيم والعلاقات ، وصعوبة تطويرها .
ث‌- ضعف الرقابة على المفاهيم . والخضوع للنقليات
4- انعدام السببية وعدم الخضوع للضرورة المنطقية .
5- غلبة القصور وعدم الاطراد .
فإذا كان العقل المجرد غير مؤهل بطبعه لتناول القضايا (المعقدة)
[15] ، فما هو سر الاختلاط و التموه الذي يبديه في غير حلته أحياناً ؟!
إنها أحد الحيل الدفاعية الناجعة للعقل المجرد المفضلة، وهي تعتمد على جملة من النشاطات أهمها:
1- مقارنة الصواب المتعلق بالمستويات القريبة .
2- كثافة الاتفاقات .
3- معانقة الصواب، ولكن بعد حصيلة طويلة من التجربة والخطأ .
4- الوقوع الاتفاقي ، أو الانزياح اللاواعي ، بسبب عوامل خارجة عنه..
5- الاعتماد على حصيلة الخبرات الجماعية.
6- استنساخ المعارف المكونة بالخبرات الجمعية.
7- استنساخ المعارف الأولية، المسلمات الجاهزة المعطاة.
8- الاستقراء التلقائي ..الخ من الأمور، التي تساهم في تعمية أزمة هذا العقل، وحجبها عن دواعي التقصي، والملاحظة.
وإذا كان "العقل العلمي" :
1- يعرف إشكالياته.
2- يعرف حدوده.
3- يدرك مآزقه .
4- قادر على تجاوزها.
5- قادر على تطوير نفسه .
فذلك مالا يمكن "للعقل المجرد" الذي لا يحكمه نظام ، ولا يسيره نسق منتظم يمكن معايرته،ومقايسته بشكل موضوعي.
هذا هو ملخص مأزق "العقل المجرد.
فمثل هذا العقل :
- كيف يمكن أن ينتج معرفة ؟ وكيف ينقلها ؟
- كيف يمكن أن يبنى مناهج ؟ وكيف أن يطورها ؟
- كيف يمكن أن يبتكر المفاهيم ؟! وكيف يمكن أن يكيفها أو ييبيئها ؟!
- كيف سيبنى عالمه ؟! أم كيف سيبنى نفسه؟!!
وفي الختام .....
لابد لنا من الإشارة إلى عدة أمور مهمة:
أولاً:
انه من الخطأ "الثقيل جداً" أن نعتقد بأن تحقيق العقل للتوافق والتناغم والانسجام مع نفسه يمكن أن ينظر أليه بعين "الأهمية" بمعزل عن تحقيقه للتوافق والتناغم والانسجام مع العوالم خارجه
[16] !!
وذلك انطلاقاً من أن قيمة المفاهيم والمعارف والمناهج التي يزخرفها العقل إنما تكمن في مدى مطابقتها للحقائق المتعلقة بالكون والحياة والإنسان والطبيعة، بمطابقة العناصر والعلاقات والنسب "القائمة" فيها.
إذ أن هذه المفاهيم ، وتيك المعارف ، وتلك المناهج ، على كثرتها وتباينها وتنوعها تقدم نفسها كممثل وناطق رسمي باسم العناصر والعلاقات والنسب الخارجية، وبغض النظر عن صدقيه هذا الادعاء من عدمها ، فإنها لم تكن لتحظى بهذه الأهمية وتلك العناية ما لم تقدم نفسها على أنها كذلك.
وبعبارة تقريرية أدق نقول :
إن أهمية العقل الحقيقية تمكن في مدى قدرته العملية على اكتشاف العناصر وما بينها من نسب صالحة لإحداث علاقة ما، شرطها المطابقة للعلاقة القائمة في "الواقع الخارجي
[17]" ، وذلك بادراك نسب "الكم –الكيف- ألاين- المتى- النوع.... الخ" وإيجاد الرابط الحقيقي، الذي يؤهلها لهذه العملية.
وذلك يقودنا إلى ضرورة (ميكانيكية) لامناص من الانقياد لها ، وهي أنه مادام الأمر كذلك فان بناء العقل لا يمكن أن يتم
[18] بمعزل عن المعايرة بقوانين "الكون والحياة والإنسان والطبيعة" مما يعني- بالضرورة أيضاً – أنه لا يمكن أن يتم بمعزل عن التجربة الحسية، والعقلية الصارمة ، الموجهة من واقع المشاهدة ، كإطار مرجعي وحيد تبنى عليه المقدمات اليقينية[19][ .
وهذا يضعنا مباشرة في عمق إشكال العقل الذي يروم تأسيس بناءه ونموه واطراده وفاعليته الواقعية بمعزل عن ذلك كله.
عقل يريد أن يحقق تفاعلاً موضوعياً مع المعادلات الواقعة خارجه دونما إطار مرجعي مستقل يعكس له حقيقة هذه المعادلات بصورة مطابقة لما هي عليه فعلاً !!
نعم إن عقلاً كهذا يمكنه أن يحقق تفاعلاً- بصورة ما- مع تلك المعادلات الخارجة عنه... إلا إن هذا التفاعل لا يمكن أن يكون موضوعياً ، بل هو تفاعل ذاتي قائم على روابط ونسب مموهة، عن طريق "إطار مرجعي " متسق في داخله، متحدداً بنفسه، وفي نفسه.
وهذا يعني بالضبط، أن تكون هذه العلاقات والروابط والنسب التي يفرزها هذا الإطار، هي عبارة عن محددات صورية، ناتجة من مفاعلات، الواقع الذهني الخالص وآلياته البدائية ، المتماهية، مع محددات الواقع الخارجي، بشكل مموه وزائف ،لايمكنه أن يكون ممثلاً ومعبراً حقيقياً عن هذا الواقع.
ولذا فان هذا العقل متسقاً في داخله ، يبنى مقدماته ، ويشيد نتائجه ، ويطور أبنيته وينميها بعيداً عن أي تدخل أو إزعاج من الخارج "فيما عدا مستويات بسيطة يثير قربها أو نوعها أو ظرفها أو حركتها ... انتباهاً يؤهلها للتدخل بشكل جزئي في عملية البناء تلك .
وتلك هي إحدى خدع العقل الخطيرة، للمحافظة على بقائه، واستمراره في مواجهة "متطلبات التغيير " .
(ثانياً) :
لاشك أنا سنكون على وعي لا بأس به، بإشكالية العقل المجرد، إذا ما توصلنا إلى حقيقة أن الموضوعات كواقع خارجي
[20] هي هدف العقل الذي يوجه إليه فاعلياته، لغرض تحسسه، واكتشافه ، وتكوين معرفة يقينية عنه ،سواء أكان ذلك لغرض المعرفة وحسب ، أم كان لغرض عملي أوظيفي، أو إجرائي.
وهذا لا يمكن أن يتحقق دون أدراك عناصر هذه الموضوعات، وما بينها من نسب، وعلاقات.
وهل يمكن أن يتم ذلك، دون النظر إلى مطابقات العالم الخارجي ، للقضايا والموضوعات؟
وإذا كان الأمر كما أسلفنا، فإنه لابد من أن تتاح لنا، إمكانية المعايرة، بين العلاقات والنسب والعناصر، المؤسسة لفاعليات العقل ، وبين المواضيع وعلاقاتها وعناصرها ونسبها في الخارج ،وإلا فسوف نخسر أية إمكانية للحصول على هذه المطابقات، وبالتالي ضياع أية فرصة لاكتشاف، وتحصيل المعرفة الموضوعية، وبالتالي خسارة إمكانية توظيفها، بشكل علمي.
وألا فكيف يمكن لمعادلات العقل المتغيرة أن تطابق الثابت الذي لا تعاير نفسها عليه ولا على ما يمثله صدوراً عنه ؟!!

(ثالثاً) :
إن إشكال العقل المجرد، ليس في عجزه التام، عن إدراك ي مستوى من مستويات الموضوعات في الخارج بإطلاق ، ولا في كونه عاجزاً عن أداء أية وظائف عملية ممكنة ، فتصور كهذا لا يمكن أن يصدر إلا عن جهل تام بمعنى "العقل المجرد"، لأن عقلاً بهذه الموصفات ليس له أي وجود واقعي ، إنما هو مجرد مفهوم (ميتا فيزيقي) تستحيل البرهنة عليه "علمياً ".إذ العقل المجرد المعني بالبحث هنا، لايرادف "العقل الخالي" من توجيه أية معارف أو مفاهيم أو تصورات عدا نظامه البدهي .
إنما العقل الذي نعنيه هنا ، هو العقل الذي لا يمارس فيه التأسيس انطلاقاً من أرضية يقينية وبشكل نسقي إلا في أولى حلقاته التي هي الأساس والمنطق ، ونعني بها النظام البدهي .
أما بقية ممارساته فهي تتكئ على أرضية غير يقينية ولا نسقية ، قوامها جملة من الخبرات أو المفاهيم أو التصورات .... الخ ، والتي لا ترقى إلى مستوى الأرضية اليقينية النسقية.
وهذا لا يعني عجزه المطلق، عنم إدراك ،أي مستوى من مستويات الموضوعات ، أو قصوره الخالص، عن تأدية، أية وظيفة عملية.
" إنما يكمن أشكاله في وقوفه عند المستوى "البسيط" ، كعقل له أهلية لتأدية وظيفة يكون بعدها عاجزاً بشكل كامل ،عن تجنب الاتسام بغلبة الشذوذ وعدم الاطراد، وطغيان حالات مختلفة من الفوضى والارتباك والخلل على أحكام العقل وتصوراته عن نفسه وعن الكون والطبيعة والحياة من حوله ".
وعقل كهذا لا يقلل من إشكالاته، أو يخفف منها،ه هذه القدرات البدائية التي يحوز عليها ، ويمارسها باقتدار على مستوى ما من مستويات المعرفة. بل ستبقى إشكالياته ومآزقه عصية عن أي حل بإطلاق.
(رابعاً و أخيراً) :
انه من الخطأ الفادح أن نعتقد بفساد آليات "العقل المجرد" كمحصلة لإقرارنا السابق .
والذي يؤسس هذا الاعتقاد ويدعمه هو كون هذه الآليات، بالنسبة للمعارف والمفاهيم والتصورات التي يتضمنها العقل هي بمثابة "العلة للمعلول" ... بالتالي فان فسادها من فساده .
هذا الاعتقاد وان كان صائباً في حد ذاته إلا أنه يفرض علينا وبشكل قصري أن ننتقل معه إلى صميم المغالطة للانتظام في بنيتها ، في الوقت الذي كان غرضنا الأساسي كشف الأستار عنها.!
مما سبق تقريره حول الإشكال المزمن المتعلق "بالعقل المجرد" لا يلزم منه – بأي نوع من أنواع الإلزام – أن نضع تقريرنا هذا بين شقي معادلة ثنائية قوامها "فساد آلياته أو عدم فسادها "!!
إنما نحن في حل تام من مثل هذا التصور ، لصدورنا عن علاقة أخرى قوامها انتهاء فاعلية هذه الآليات وانتهاء صلاحياتها عند تجاوزها للمستوى البسيط والقريب من مستويات الظواهر والموضوعات بحيث لا تتعداها !!
وبالرغم من ذلك فان هذه الآليات هي الآليات الأساس في النشاط الذهني والتي لايتم أي تأسيس (بدونها) ، وإن كانت عاجزة عن (تأدية ) الغرض بمجردها وبدون إعانة مناهج وفاعليات أخرى !!
(خاتمة ) ....
وبعد :
فلم يكن في نيتنا الذهاب بهذا العمل "المتواضع" الى اكثر من إثارة النظر إلى كيان العقل المجرد وما يعتمل بداخله من إشكالات عريضة ... ترسى عقبة أساسية أمام فاعليات العقل العلمي ومعارفه الموضوعية.
وقد قمنا في هذا المجال بذكر بسطة عامة حاولنا من خلالها تقريب متعلقها بالقدر الذي لا يخل بسلامة الطرح وطبيعة أنساقه.
ونظن أننا قد وفقنا إلى فتح نوافذ – لهذا الموضوع- ربما كانت موصدة على الكثيرين منا ، وذلك مساهمة في تشكيل "رأي ثقافي عام " ، يمكن معه (مباشرة) التداول والبحث على نطاق أوسع، أملا في الخروج من المأزق المزمن، بدلاً من اجترار الموت المبهرج،الذي تمارسه الكثير من المساهمات الثقافية والفكرية تكريسا للاغتراب في القديم، وتدعيماً لآلياته ،وسلطاتها الظاهرة والخفية.
ومن اليسير جداً ملاحظة أن هذا الكلام – الذي اخترناه لنختم به موضوعناً – يجد مبرراته واضحة ومفصلة ، ومدعمة بشهادات منهجية، كنا قد أدلينا بها في ثنايا هذا البحث ... مما لا يحوج القارئ المتفهم إلى التفتيش، عن شهادة أخرى غيرها .
وهل ثمة شهادة أفخم وأضخم – لبيان فساد العقل المجرد كأساس في تحصيل المعرفة و تأطيرها وبلورتها وتطويرها – من بيان أن هذا العقل لا يتأسس انطلاقاً من تعامله مع نظام الأشياء والموضوعات، إنما من خلال الا نشداد إلى نظامه الخاص" ؟!!
بل أليست هذه الشهادة كافية أيضا للإعراض عن دعوة بنائه و ترميمه واصلاحه ؟
وهل من المعقول، أن نستمر في محاولة تكريس اللامعقول، وفرض سلطانه، وبسط نظامه على الظواهر والأشياء والموضوعات؟
فلماذا إذاً :
نعتمد – وبإصرار – فاعليات "العقل المجرد " وآلياته القاصرة ؟!!
هذا العقل الذي هو الممثل الحقيقي لغيابنا ، والشاهد الماثل، على قتل زمننا الثقافي،وعلى تحنيط معارفنا في "قوالب " الماضي وأسر علومنا في "غياهب" التاريخ.
العقل "المنفعل" بتراث الماضي... المجتر لصراعاته البالية ..المشدود بخيوط من حديد" إلى معطيات التاريخ السحيق !!
عقل يقيم لنا عكاظاً مشذباً ، "ومجالس أمير المؤمنين" منسقة ومهندمة ... لكي يرفع عنا وطأة الخجل، ونحن نشاهد "العقل الفاعل" يمارس دوره على مسرح الحضارة المتنامي الجديد المتجدد!!
[1] بمعناه في علم أصول المعرفة.
[2] القوانين الأساسية (الهوية والتناقض)، والأولية مثل (لكل وجود علة).
[3] مثل التوليف والدمج والتحليل والتركيب...الخ.
[4] بنفس المعنى
[5] باعتبار أن القانون في حقيقته هو وجه أخر للموضوع، معبر عنه وممثل له.
[6] - وهي علاقة العلية !!
[7] - المقصود بالتركيب بالذات كخطوة إجرائية تصورية عملية منها التأكد من الخطوات التي تمت عن طريق التحليل ،بمحاولة إعادة كل علاقة إلى ما كانت عليه للنظر إليها بهيئتها الخام.
[8] - ما يميز الافتراض العلمي عن هذا النوع من الافتراضات ، أنه ليس مجرد احتمال ممكن فقط ، إنما احتمال تأسس بعد أنتهاض جملة من المعطيات الموضوعية الصالحة للقفز به دون الاحتمالات الأخرى بشكل عملي ألا أنه لم يصل إلى درجة اليقين ، خلافاً لهذا النوع القائم على الحدس والتخمين الأولى.
[9] - وهذا الشكل من المعرفة هو الذي يكون (البعد اللاشعوري) فيها !!
[10] - كما جاء في المقدمة الثالثة من الجزء الأول .
[11] - والتي ربما بالأعراض عنها نكون قد أبعدناها عن الكلي الذي يحب أن تلحقها به ‍‍!!
[12] - سيأتي بيان ذلك في ملحق خاص .
[13] - وعلى هذا الأساسي تم انتقاد (العقل النظري) وهو المستند على إطار مرجعي مركب ، ومن مركباته الأساسية المناهج ، وعد قابلاً للوقوع في اشكالات العقل المجرد من هذه الجهة !!
[14] - كما يحدث في الحركة المجالية !!
[15] - والبعيدة .
[16] - والتي هي غيره بالضرورة .
[17] - من حيث الإمكان أو الوقوع !!
[18] - انطلاقاً من فرض أنه يتحرك بتوجيه الوظيفة !!
[19] - لقد تعمدنا وضع هذه العبارة بين مزدوجتين لأنه قد يبعد للقارئ أننا لاندرج (الوحي) كمعامل من معاملات المعرفة ، فنقول إن ذلك غير صحيح بكل تأكيد !!
[20] - سواء كان هذه الموضوعات تتعلق بالإنسان أم الطبيعة أم الحياة أم ماوراء ذلك !!

هناك 10 تعليقات:

Lamiss Ibrahim يقول...

رائع
http://www.prokr.com/furniture-moving-company-riyadh/

mekho matrix يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
mekho matrix يقول...

ممتاز ع عملك





العاب

خدمات متميزة يقول...

شركة تنظيف منازل بالجبيل
شركة تنظيف بالجبيل
شركة تنظيف بيوت بالجبيل
شركة تنظيف فلل بالجبيل

شركة تنظيف بالجبيل
افضل شركة تنظيف بالجبيل
شركة تنظيف شقق بالجبيل
شركة تنظيف مسابح بالجبيل
شركة تنظيف مجالس بالجبيل
شركة تنظيف خزانات بالجبيل

خدمات متميزة يقول...

تتشرف شركة المثالي جروب للنظافة الشاملة بالمنطقة الشرقية بتقدم شركة تنظيف منازل بالخبر والتي تقدم افضل خدمات تنظيف المنازل والشقق والفلل والمجالس والكنب والسجاد والموكيت بالاعتماد عليافضل الامكانيات الحديثة والعمالة الماهرة وخبرة عشرات السنوات بمجالات التنظيف لجميع اركان المنزل وكل مع يحيط به فمع شركة تنظيف بالخبر تستطيعون الحصول علي افضل جودة ممكنة لتنظيف المنازل بارخص الاسعار المثالية

شركة تنظيف منازل بالخبر
شركة تنظيف بالخبر

خدمات متميزة يقول...

شركة مكافحة حشرات بالاحساء
شركة مكافحة حشرات بالقطيف
شركة مكافحة حشرات بالجبيل
شركة مكافحة حشرات بالخبر
شركة مكافحة حشرات بتبوك

خدمات متميزة يقول...

شركة المثالية لمكافحة الحشرات
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالدمام
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالخبر
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالاحساء
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالقطيف

خدمات متميزة يقول...

شركة المثالية لمكافحة الحشرات
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالدمام
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالخبر
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالجبيل
1شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالقطيف
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالاحساء

شركة المثالية لمكافحة الحشرات بجدة
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالطائف
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بمكة

خدمات متميزة يقول...

شركة المثالية للتنظيف
شركة المثالية للنظافة الشاملة
شركة المثالية للتنظيف بالدمام
شركة المثالية للتنظيف بالخبر
شركة المثالية للتنظيف بالجبيل
المثالية للتنظيف الاحساء
شركة المثالية للتنظيف بالقطيف
المثالية للتنظيف بالقطيف
المثالية للتنظيف سيهات

شركة المثالية للتنظيف بالاحساء
المثالية للتنظيف بالاحساء
شركة المثالية للتنظيف بجدة
شركة المثالية للتنظيف بالطائف
شركة المثالية للتنظيف بمكة

خدمات متميزة يقول...

نقدم لكم عملائنا الكرام افضل شركة تنظيف ومكافحة حشرات بالمنطقة الشرقية والتي من خلالها تستطيعون الحصول علي افضل خدمات التنظيف الشاملة لجميع اركان المنزل فمع شركة المثالية للتنظيف انتم دائما في امان فتعد شركة المثالية للتنظيف بالقطيف افضل شركة متخصصة في تنظيف المنازل والشقق والفلل والمجالس والبيوت والكنب والسجاد والمفروشات بالقطيف وكذلك بجميع مدن ومحافظات المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية , تعتمد شركة المثالية للتنظيف بالقطيف علي افضل واحدث اجهزة التنظيف المثالية والتي من خلالها نسنطيع نقديم افضل خدمات التنظيف الشاملة للمنازل والمجالس بافضل جودة ممكنة وبارخص الاسعار المثالية فعندما نبحث عن افضل شركة تنظيف بالمنطقة الشرقيو فنحن بحاجة الي شركة المثالية للتنظيف التي لديها الخبرة الكبيرة والامكانيات الكبيرة والقدرة الهائلة علي خدمة عملائها بالاستعانة بامهر العمالة ذات الخبرة الكبيرة في مجالات التنظيف منذ عشرات السنوات ولم تغفل شركة المثالية للتنظيف فروعها الاخري بل اننا نقدم افضل خدماتنا بالاحساء من خلال شركة المثالية للتنظيف بالاحساء التي تستطيع توفير كافة الامكانيات اللازمة لتنفيز خدمات النظافة الشاملة بالاحساء وكذلك مدن محافظات المنطقة الشرقية فكل هذا تستطيعون الحصول علية من خلال
شركة المثالية للتنظيف بالاحساء
كما ان شركة المثالية للتنظيف لم تغفل افضل الخدمات واكثرها اهمية لعملائها وهي خدمة مكافحة الحشرات فلدينا شركة المثالية لمكافحة الحشرات التي تسستطيع تقديم خدمة ابادة الحشرات الطائرة والزاحفة بجميع انواعها باستخدام افضل المبيدات الامنة والنظيفة ذات التاثير القوي والفعال علي الحشرات والتي من خلالها نضمن لعملاء شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالاحساء العيش في منزل امن خالي من الحشرات بجميع انواعها فلدينا الخدمات الاتية
شركة المثالية لمكافحة الحشرات
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالاحساء
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالدمام