01‏/08‏/2008

أمن أسس بنيانه على شفا جرفٍ هار




إن شعار الحكم الإسلامي شعار جميل وبرَّاق، وهو لا يقل بريقاً وجمالاً في عيون البسطاء من أتباع الحركات الأصولية عن بريق ملاعبة القردة في السيرك عند الأطفال ، ولكنه في حقيقته النهائية ليس إلا تلاعباً خشن الملمس بالمعيار التاريخي لأمة غائبة أو مغيبة عن التاريخ.
إن منظِّري هذه الحركات في شتى مدارجهم الفكرية لم يبذلوا أي جهد يذكر في مراجعة هذا الشعار ، كما لم يكشفوا لأنصارهم الكثر بأن الإسلام كما هو في وضعه الإلهي لا ينطوي على أية صيغة لنظام الحكم بالمعنى القانوني لصيغة حكم ، وإنما بالغ ما ينطوي عليه نصه المقدس هو جملة من الأحكام المتعلقة بالفقه الجنائي ، وثلة من التشريعات المبثوثة هنا وهناك والتي لا تشكِّل في حشدها النهائي أية صيغة للحكم يمكنها أن تصدق هذا الادعاء الفخم العريض.
وأما ما يحلو لهؤلاء السادة التقاطه من جوف النصوص المختلفة ليستنطقوه لنا عنوة، فهو لا يعدو أن يكون جملة من الصيغ التعبدية والأخلاقية والعقدية التي لا تمت لهذا الادعاء بأية صلة جدية بالمعنى القانوني.
فالحكم الإسلامي كما يروق لهم أن يسموه ، لم يكن في أي وقت من الأوقات ذا صيغة إلهية مقدسة أو صبغة فوقية متعالية ، إنما كان ولا يزال – على الدوام – تعبيراً واقعياً يعكس طبيعة المحاولات التي بذلها الإنسان ويبذلها لأجل صياغة الحلول والمعالجات العملية لما ينطرح عليه من قضايا وهموم وإشكالات وشواغل كان قد أفرزها محيطه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي .. إلخ ، في مرحلة من مراحل التاريخ
وحتى النصوص المقدسة التي يراد منها أن تدعم هذه " الحكومة المفترضة" فهي شحيحة ونادرة ، وعلى كل هذه الندرة فهي غير مسلَّمة ولا سالمة – في مجملها – من التأويلات والرؤى المتباينة بالقدر الذي ينأى بنا عن اليقين والجزم بأن أياً من هذه التأويلات أو الرؤى تُعد صالحة – حقاً – لاعتبارها ترجمة أمينة للنص المقدس.
ومهما كنا متساهلين أو متسامحين في قبول الشروط الواجب استيفاؤها لاعتبار ترجمة ما أنها أمينة أو صادقة ، فإنه لا يمكننا – أبداً – أن نزعم بأن ما توافر لنا من هذه النصوص يمكنه أن يستجيب ولو – لواحد في الألف – من المساحة المطلوبة .. ليبقى ما وراءها شاغراً ينتظر عقول البشر المشرعين.
ولذا .. فإنه ليس من الإنصاف في شيء أن يوصف هذا النظام الذي لا يشكِّل النص المقدس من مساحته إلا القليل أنه نظام إسلامي
1 .. وذلك وفقاً لقاعدة التغليب التي تقرر بأن الشيء يوصف بأغلب ما فيه وأولاه..
ولا أظن أن الأغلب هنا والأولى هو الأقل وجوداً – وحضوراً – وهو النص المقدس...؟ وإلا لقلنا عن الحليب الذي سقطت فيه قطرة قهوة أنه قهوة أو عن الزيت الذي سقطت فيه قطرة ماء أنه ماء ،.. وهذا مطرد في كل الأوصاف..
إذن فهذا النظام الذي دأب هؤلاء السادة منذ مدة طويلة على تسميته (إسلامياً) لم يكن إلا مواضعة خطابية لا تمت لمسمى الإسلام بأية وشائج أو علائق تدعم هذا الادعاء.. إنما هو نظام وضعي من صنع البشر المشرعين ووضعهم ومواضعاتهم .. ولا يحق لنا بحال اعتباره نظاماً إلهياً مقدساً مسقطاً علينا من فوق سبع سموات.. ولكن هذه الحقيقة الواضحة – جداً – قد تحولت بفضل أفانين "الحواة" مُشاكلة (خطيرة) للنموذج المقدس ، بحيث يستقيم لهؤلاء الحواة الاستمرار في الإمتاع والتشويق.. وباستخدام ذات الحيلة التاريخية.
ومن المؤسف – جداً – أن يستمر هذا الانبهار والإعجاب بمثل هذه "الحيلة" التي لا تكلف تعريتها وهتك أستارها سوى القيام بعملية حسابية خاطفة للنصوص المقدسة ، لنعرف - على الفور – كم هي قليلة ونادرة بالنظر لما يفتقر إليه النظام من قوانين وتشريعات.
إذن ، فكل ما هنالك أن هؤلاء السادة قد ارتكبوا خطأ بسيطاً في "الحساب" ولكنه خطأ قد كلف الأمة ومازال يكلفها المزيد من الجهد والمال والدماء.
ومن الطبيعي - للغاية – أن تقودنا هذه المحصلة إلى رفض جميع المحاولات التي تبذلها هذه "الجماعات" لأجل سيطرة آرائها وتصوراتها وأفكارها على الناس ، انطلاقاً من الدين والحق المقدس ، ورفض ما تدعيه وتشرعه لأنصارها من مسوغات تبرر لهم ممارسة الوصاية البابوية على الناس ليشرعوا في وجوههم سيوف النقمة أو يصرفوا لهم صكوك الغفران ، أو يقاتلوهم ويقتلوهم باسم الله شخصياً.
بل أنها تقودنا إلى الاعتقاد بفساد الدعوى التي تأسست عليها "الحركات الأصولية" جذرياً ، وعدها ساقطة الاعتبار لفساد أساسها القانوني.
ولهذا ، فلن يعرف الوجود – يوماً – كما لم يعرف من قبل نظاماً إسلامياً يمتلك أي سند مقبول ومنطقي يصدق ادعاءات الجماعات الأصولية عوضاً عن أن يكون سنداً مقدساً.. مهما كثر الزعيق وارتفع غبار الشعارات عالياً حتى ليغطي على الفهوم والأذهان.
.......................................................

1 – إلا إذا اعتبرنا أن مسمى الإسلام الذي عناه الله (بالإتمام والإنعام والرضى) هو عين اجتهادات البشر الفقهاء التي لا تخلو من ملابسة الخطأ والباطل .. من بين يديها ومن خلفها ؟!

ليست هناك تعليقات: