31‏/08‏/2008

رسالة إلى الهاشمي وقناة المستقلة


( رسالة مفتوحة )
إلى السيد الهاشمي، وفضائية المستـقـلة

السيد المحترم العزيز على قلوبنا جداً / الهاشمي الحامدي الشريف
تحية جميلة ، وبعد
إن التجسيد الصحيح للمشروع العقلاني الذي نفترض أن فضائية المستقلة تسعى إليه ، هو أن تجعل من هذا الحوار خطوة رائدة تجاه اجتياز القطيعة الذهنية ، والمنهجية بين الفرق، والشيع، والمذاهب لتقديم خطاب تصالحي، متحرر من الشروط الضمنية التي فرضتها الإيديولوجيا الفرقية كحدود قصوى للانفتاح على الرأي المغاير أو المذهب المختلف.
وهذا المطلب لا يتضمن بطبيعة الحال أي طموح يزدهر فيه (المكن) إلى حد التفكير الجدي، في محاولة القبض على كيانات منهجية ناجزة يمكن الاتفاق عليها والانطلاق منها كمعايير أحادية محترمة لقياس مدى المشاكلة، أو الانزياح عن (المثال) العقائدي أو الفقهي المفترض أو أي شيء من هذا القبيل.
إذ ليس من مهمة المستقلة أن تؤسس لقناعات إيديولوجيا معينة أو أن تنتصب نفسها حامياً لولاءات مذهبية، أو فرقية، أو مدافعاً عن شخوص، أو رموز بذاتها بغض النظر عن قيمة هؤلاء الشخوص، أو الرموز التاريخية، أو العلمية، أو العاطفية.ولقد كنا نتوقع من محطتكم (المستقلة) أن تشكل ببرامجها الصريحة مدرسة مفتوحة ترسخ قواعد الحوار، وتقاليده، وفضاء ثقافياَ رحباً لكل الأصوات المخنوقة، والمقموعة، والمقصية، والتائهة، وذلك كجهد مبتدع، وغير مسبوق كان بإمكانه أن يساهم مساهمة حقيقية، في تدشين لحظة ثقافية جديدة لها القدرة على احتضان كل الشروط الضرورية المؤهلة، لولادة رأي عام ثقافي يمكنه أن يؤسس في نهاية المطاف لمشروعية الخلاف والاختلاف.
سيدي العزيز قطعاً : أنتم خير من يعلم بأن من أهم شروط الحوار الناجح البناء هو رفع كل أنواع الحصانة والقداسة عن مواضيع الحوار بغض النظر عن كونها مقدسة عند بعض هؤلاء الإطراف أم لا. ذلك لأن الخطأ والصواب من حيث المبدأ ينبغي، ويجب أن يأخذا فرصاً عادلة، ومتكافئة.
فالاعتراف بغيرية (الآخر) المختلف بشكل متكافئ ، والتفاعل معه بإنصاف ضمن هذا الاختلاف هو المدخل الحقيقي، والوحيد، والممكن للإفلات من مأزق الاحتقانات التاريخية (الخطرة) بين مكونات الأمة، وأطيافها المتنوعة، والمختلفة.كما أنه الشرط الأساس، والضروري لتحرير الثقافة العربية من أسر العقلية الفرقية الضيقة إلى أفق أنساني أرحب يقوم على إرساء تقاليد علمية ومنهجية وتفكير جدلي يقوم على التكامل بين الأضداد لا على تقاصيهما وتنافرهما (= تذابحهما) كما هو الحال عندنا دائماً.
بيد أن طريقتكم في إدارة الحوار مؤخراً، تركت لدينا انطباعا مؤكداً بحيودكم المتدرج عن جادة (التوسط، والاعتدال) بين الأطراف المتحاورة. والذي ما طفق يتصاعد باطراد، بدء بنبرات مفعمة بالضيق وعدم الارتياح إزاء ما يسمع من طرف ما بعينه، إلى أن توج هذا التصاعد في نهاية الأمر بانحياز علني ومكشوف إلى أحدهما، في احتفالية فاقعة برموزه وأطروحاته، وأفكاره المنمطة عن ذاته وعن الآخر المغاير لأناه المطووسة المتضخمة، بحيث تم إلغاء أحد أطراف الحوار بصورة قاطعة وحاسمة وإن كانت في أغلب الأحيان رقيقة ومهذبة وناعمة.ولكي لا أكون متجنياً فإنه ينبغي لي أن أوضح بأن الأمر لا يتعلق بالفرص الزمنية المتاحة لكل طرف، والتي كانت ـ والحق يقال ـ منصفة وعادلة ولا يشوبها أي انحياز، أو تقصير.
كما أنه لا يتعلق ـ أبداً ـ بطبيعة توازنكم المسلكي بين أطراف النزاع والذي كان توزناً مشهوداًً وواضحاً بل، لقد كنتم فيه دونما ريب إنساناً دافئا،ً دمثاً، مضيافاً (حلواً)، مع جميع الأطراف.بيد أن ذلك كله لم يقلل من تلك (الانحيازات)الإيديولوجية التي كانت بمثابة البثور الطافحة على السطح كعلامة على وجود مستوى ما من مستويات اختلال التوازن الوظيفي في خلايا الجلد.وقد تجلى ذلك في باقة من المشروطيات الضمنية التي تسيَج بها موضوعات الحوار، وشخوصه بحيث تظهر مخترقها، ومتجاوزها كمن يرتكب خطيئة، أو يقترف إثماً بيناً يتعين عليه ستره وتغطيته، والتعميه عليه بشتى أنواع التخفي، والمناورة وإلا فإن مصيره هو التهميش الإقصاء والإخصاء،لتبقى أكياس الاحتقانات على حالها، بل ترشح لمزيد من التضخم، والتعاظم، والمفاقمة مع كل منعرج من منعرجات تاريخنا الثقافي وعبر كل مشهد من مشاهده النمطية، والمكرورة.. ولكنني أستدرك هاهنا وأقول : بأن مشروعاً من هذا النوع المبتدع في ثقافتنا ينبغي أن يمضي فيه المرء قدماً وإن كان بشكل بدائي، وبطيء، ومتعثر، وإن الإفلات من رهانات (أبوكلبشة). وأوراقه الصفراء البائسة. لهو التحدي الحقيقي الذي ينبغي على (المستقلة) اجتيازه، والتصدي له، حتى لا تقع في أتون الفشل، والإحباط، والاعتباط وتفشلنا، وتحبطنا، وتعتبطنا معها.
وهذا هو حقيقة الموقف كما بدا لي شخصياً وأنا أتابع بشغف، وحبور، ووجل، جل برامجكم (الصريحة) في بعض الأحيان، والتي نتمنى أن تكون صريحة دائماً.
ختاماً /هذه همسة محب حان يمكنك أن تحتفي بها، أو تزدريها، كما يمكنك أن تعلنها أو تطويها.
وفي كلا الحالتين : ليكن الوطن معك...
عـلي عـقيل الحمروني
ليبيا

ليست هناك تعليقات: