31‏/08‏/2008

الدوافع اللاموضوعية، الكامنة وراء عملية التبني



ثمة مسلمة تلقائية تقول بأن المرء لن يجد في نفسه من الإمكانية و القدرة ما يؤهله لفهم واستيعاب الأفكار المطروحة بغض النظر عن أيها تحديداً ما لم يتم لـه تصورها و وهضمها ، وتمثلها، كما أنه لا يمكنه تصورها بالقدر الذي يسمح لـه بتقييمها ونقدها ما لم يتمكن من نقد أسسها و أصولها وقواعدها التي قامت عليها ومبادئها التي أطرتها وكذلك فإنه لا يمكن لـه القيام بهذا النقد ما لم يتوافر لديه الحد اللازم من الأدوات الفكرية والمنهجية والعلمية لذلك .وإلا فكيف له أن يعرف بأي شيء تم الاستدلال ؟ وما هي قيمة الدليل المستخدم؟ وما هي قيمته لمنهجية والمعرفية وما هو وجه الدلالة الذي تم سوقه؟ ونوع اليقين الذي يعطيه؟ وما هي ضوابطه ؟ والكيفية التي يتم بها الاستقراء ؟ وبم يتم تحقيق المناط ؟ ووجه الحجية في الأصل ؟ وعلاقة المُسَاق بالشروط والموانع ؟ وما قيمة استخدام الدلالة اللغوية للدلالة على لازم السياق ؟ ووجه استخدام هذه القاعدة أو تلك من القواعد الأصولية ؟ ووجه حجيتها ؟ وضوابط الإلحاق بالأصل ومنهجه و مناطه؟ وضوابط تحقيق المقاصد وشروط إلحاق الجزئي به ؟ وقواعد ضبط الواقع الموضوعي أو التاريخي ؟ والمنهج المستخدم في الترجيح بين دلالات المعاني اللغوية والدلالة البلاغية ؟ ومدى صحة تحليل النص والمنهج المستخدم فيه ؟ وضوابط ربط الواقع بالنص.. إلخ من الأمور التي لا يمكن للمرء عند فقدها أن يقوم بتقييم أية فكرة ولا نقدها مما يعني بالضرورة فقدانه لأي أساس واعٍ للاختيار والتبني.وهذا ما يجعل من شطط المرء وغُلَوائه وتوغله في أسباب الخصومة وتشدده واستمساكه بعرى قناعاته ـ و بالشكل المبالغ فيه و على الصورة التي يضج بها الوسط ـ سبباً في الانزلاق به إلى دركات الاعتباط و اللامنطقية شكلاً ، ومضموناًً .فإذا عرفنا بأن جلنا قد أقبل على تبني هذا الاتجاه أو ذاك بالرغم من عدم اطلاعه الواسع على التراث وعدم امتلاكه للمناهج والأدوات في أدنى حدودها لصار أمر هذا الهرج والمرج أشبه ما يكون بالجعجعة التي تُسمع ولا يُرى لها طحيناً الأمر الذي يضع جل أتْباع الاتجاهات والأفكار في منزلق خطير تقومه عدم المصداقية الموضوعية والمنهجية للموقف الذي يقفونه من اختيارهم الاتجاهي والفكري نظراً لما يتسم به رد الفعل من عنف واستمساك حادّ بالقناعات الفكرية والاتجاه إلى إضفاء قدر كبير من الهيلمان عليها في مقابل التعامل المشطط والمتعالي والمتعسف مع الأفكار المخالفة إن الحقيقة التي قد لا يقبلها الكثيرون هي أنه لو تأمل كل منهم في نفسه لوجد أن اختياره في تبني أحد هذه الاتجاهات إنما هو اختيار عَرَضِيّ تقومه المصادفات بعيداً عن قواعد الإدراك الواعي الذي لابد لـه من استحضار جملة الخطوات التي أشرنا إلى طرف منها سابقاً .ولاشك أن كافة المحاولات الحارّة والثائرة الساعية لزحزحة هؤلاء عن موقفهم سوف لن تجدي فتيلاً بل ربما لن تزيد من الأمر إلا عقماً وتهويماً ودوراناً في الفراغ اللهم إلا من كان منهم حائزاً على الأدوات اللازمة المنهجية أو الفكرية أو العلمية والاطلاع الواسع على التراث مما يمكنه من تحليل الموضوع وإدراك أبعاده ومن ثم طرحه واستبعاده أو تبنيه.ونحن نعتقد بأنه ليس لأحد أن يجبر أي إنسان على عدم التوقف فيما تبناه لمراجعته ونقده إذا هو امتلك الأدوات اللازمة لذلك وكان لـه من الاطلاع الواسع على التراث ما يسمح له بهذه المراجعة.وفي المقابل فقد يلجأ المرء عوضاً عن ذلك إلى الأجوبة السهلة والطرق الميسورة التي لن تكلفه عناء البحث ومشقته ولا مرارة اكتشاف الخطأ .بيد أن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً كما أنه لا يمنع من أراد أن يكون جاداً وصادقاً مع نفسه أن يطلق الأسماء على مسمياتها فيقرر بأن ما فعله من الاختيار والتبني لا يعدو أن يكون تقليداً ومجاراة ولا يمكن أن يرتقي إلى أكثر من ذلك .وحكم المقلد ورتبته وما عليه معلوم شرعاً وعادة ولا داعي بعد ذلك لكل هذا الانتفاخ والتباهي ولا هذا الشطط والضجيج والصراخ الموهم بامتلاك نواصي العلم والحيازة على أعنة الحقيقة ، فالمقلد مُقاد ولا يحق لـه إلا ما يسمح به وصفُه هذا ، وذلك ليس عيباً بالطبع ، إنما العيب يكمن في خلط الوظائف وتداخل الأوصاف .وعلى كل حال فنحن لا ننكر بأن هذا البيان الذي نقدمه يحوي إدانة مضمرة لهذا المنحى في التعامل مع الخلاف وذلك التجاهل المسرف لهذا الإشكال الخطير واختزاله في قضايا جانبية أو هامشية أو مختلَقة ومتوهَّمة في الأساس ، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يليق بطالب العلم ولا بطالب الحق أصلاً والذي يفترض أنه لا يركن إلى الأجوبة المريحة وغير العلمية من مثل : هذه الأمور لا تحتاج إلى توضيح أو دليل أو بيان .. أو إن أدلة المسألة واضحة وقوية أو إن هذا الأمر منسجم مع الفطرة أو إن أدلته مقنعة أو إنه هداية ربانية ومن يعلم الله فيه خيراً سيسمعه أو غير ذلك من المخارج السهلة دون الاحتكام إلى البرهان والمنطق وبذل الجهد اللائق بعظم وخطورة هذه القضية .فالركون إلى راحة النفس ومتطلبات الدعة بعيداً عن أي تأسيس للإجابة من منطلقات علمية أو موضوعية لهو مخالفة صريحة لصميم المنهج الإلهي ذاته والذي يحث على نقيض ذلك تماماً .والغريب في الأمر أن يمر هذا الإشكال هكذا دونما أية مساءلة علمية أو عقلية وكأن الأمر لا يعاني من أية أخلال أو أعطاب أو كأنه لا يتعلق بأمور أصلية ومصيرية .نعم فالأمر ليس هيناً ولا بسيطاً إنما يمس بشكل مباشر وأصيل مسألة شرعية الاختيار الفكري برمتها ومن ثم ما يترتب عليها من مواقف و قناعات وتوجهات تتعلق بقضايا في غاية العمق والخطورة والحساسية الدينية والدنيوية.ولاشك أن التشبث بتلك المخارج المزعومة سيحرمنا نعمة التواصل مع الحقيقة بل ويصادر من عقولنا قدرة التعامل الموزون مع هذه الورطة المنهجية التي وضعنا أنفسنا وراء قضبانها، لنجد أنفسنا أسرى لحالة من الدوران في فراغات الغبش والتهويم لنتفاعل خارج الوعي تماماً فنرصِّف الدلائل ونسوق الحجج ونثير الضجيج ونتخذ المواقف المتقلبة دون أية إمكانية حقيقية للنظر والتروي والمراجعة .فالعقل الذي يمارس فاعليته خارج الوعي لا يمكن أن يؤسس شيئاً واعياً ولا أن يختار أو يرفض بوعي إنما غاية أمره أن يقبل أو يرفض ويؤسس بالاستناد إلى جملة من الآليات الانفعالية الإسقاطية التي تشعره بأنه مدرك لما يفعل واع لخطواته خطوة خطوة بالرغم من أنه فاقد لأي أساس موضوعي لإنجاز مثل ذلك ولا ريب أن فاقد الشيء لا يعطيه .ولعل بعضنا لا يمكنه أن يتصور وقوع ذلك قائلاً :وما هو الداعي لتبني هذا الاتجاه واختياره دون غيره ما دام الأمر كما قلنا نحن؟ ومن هنا ارتأينا ضرورة توضيح هذا الأمر وبيانه عسى أن نساهم في الوقوف على الكيفية التي يمكن أن يتم بها الاختيار دون أن يكون اختياراً واعياً بالضرورة ، بيد أن جملة من العقبات العملية المعقدة لابد منها حين سلوكنا هذا الاتجاه أهمها ثلاث عقبات هي :العقبة الأولى: تعدد وتنوع المظاهر التي شكلت أو تشكل دواعي الاختيار.العقبة.الثانية: شدة تغليف هذه المظاهر مما يجعلها عصية على التصور أحياناً.العقبة الثالثة: وقوع التأثير المتبادل فيما بين هذه المظاهر وعدم عملها بنسق واحد عند جميع الأفراد بحيث قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً وذلك حسب تداخلها وعلاقتها بغيرها وزمن وجودها وظروفها .. إلخ .وسنحاول التغلب على هذه العقبات بعرض نماذج يمكن القياس عليها لنتجاوز مهمة حصر هذه المظاهر أولاًً ثم سنعتمد على التجربة الشخصية لكل فرد وعلى ما أدركه من تجارب الآخرين فيما يخص إيضاح الأمرين الآخرين مما يعني أنه لابد من شيء من التأمل ومحاولة الربط لإدراك أو بالأحرى مقاربة المقصود وليس في وسعنا أكثر من ذلك .فالتوضيح الكامل والبيان الدقيق غير ممكن عملياً ولكن ذلك خير من لا شيء عسى أن نساهم في الالتفات إليه وبحثه واستقصائه بشكل أكثر عمقاً وشمولاً .إذن فلنشرع في ذكر ما أردنا ذكره بشيء من الاختصار وهي الأمور التي يشكل أحدها أو بعضها ما يمكن أن نسميه بِ " الدوافع الكامنة وراء عملية التبني " أي الدوافع التي تساهم في انسياق هذا الفرد أو ذاك وراء اتجاه ما دون غيره بل وبقائه عليه وتمسكه به وتعصبه له وصراعه لأجله دون أن يعني ذلك كله وعيه باختياره أو تأسيسه لرأيه . وهي جملة من الأمور أهمها ما يلي :الأول: تأثير المحيط الاجتماعي : أي الوجود البشري الذي يرتبط به الفرد برابطة اجتماعية ويشكل محيطه الخاص الذي يعيش بداخله ، وما يهمنا منه هنا ما يعكسه هذا المحيط من تأثير إيحائي أوعاطفي أو تركيمي للخبرات أو المعارف التي تشكل أرضية أو مناخاً صالحاً لبذر هذا الفكر أو ذاك والذي يكون متوافقاً إلى حد ما مع متطلبات هذا المحيط ومشبعاً بشكل أو بآخر الرغبة في الانسجام والتوافق ومد جسور الالتقاء والتواصل معه سواء بدوافع الخوف والخشية اللاشعورية من مخالفة الوسط الحيوي بالنسبة إليه أم للإحساس بالعجز عن التمايز والانفراد والمخالفة والشعور بفداحة المغبة والعاقبة أم للذوبان في شخوص الوسط والرغبة العاطفية في الاستمساك بعرى التواصل معهم..إلخ .والمحيط الاجتماعي بطبيعة الحال يتوزع على دوائر تصغر وتكبر وفقاً لنوعها وكثافة تأثيرها وكثافة العوامل المساعدة من مثل :*الموافقة للمزاج النفسي للفرد.*الموافقة للمعايير الاجتماعية.*الموافقة للطباع الخاصة.* المناسبة للتحولات النفسية التي قد يمر بها الفرد.*الموافقة للمستخلص من التجارب الخاصة للفرد في نظره.*الموافقة لمتطلبات الخروج من إشكالات ومآزق يمر بها الفرد.. إلخ من العوامل المساعدة .وهذا بالطبع لا يحق على محيط دون غيره بل على كل محيط ، وهنا ينبغي ملاحظة أن المحيط لا يقاس بحجم أو كم معين إنما بتوافر صفة التأثير في الفرد وفق ظروف معينة، فالأسرة مثلاًً قد تكون هي العامل الحاسم والنهائي وقد لا تكون كذلك وهكذا هم الأصحاب أو الجيران أو الحي السكنى أو زملاء العمل أو النادي أو الجامعة..إلخ.الثاني: الطباع الخاصة للفرد : فهي أيضاً مما لـه التأثير على اختيارات الفرد ، والمقصود هنا ما تعكسه السجايا أو الصفات الموروثة أو المكتسبة النفسية أو الأخلاقية أو العاطفية أو الانفعالية والتي لها عمق ورسوخ غير منفصم عن تكوينه الداخلي فكل ذلك يعكس تأثيراً وتوجيهاً للاختيارات بشكل غير مشعور به باعتبارها تشكل الأرضية النفسية القابلة بل والمستقطبة للأشباه والنظائر التي من شأنها تحقيق الإشباع لاتجاه الفرد النفسي أو التوافق مع البيئة الانفعالية...الخ كطبيعة الخشونة والميل إلى الغلظة والتشدد والعنف أو الميل إلى السلم والوداعة أو الميل إلى الهدوء أو الميل إلى التشاؤم أو إلى المزاج الغضبي أو إلى التبسيط أو التعقيد أو الميول الانتقاصية السبعية أو الميول التعاطفية الإنسانية أو الميل التشككي أو الميل الإنصافي إلى غير ذلك ، بحيث قد يجد المرء في الفكر المطروح عليه ما يشبع ميله الطبيعي سواء بسبب الانسياق الطبيعي للإنسان نحو أقرب الأمور مشابهة لـه أو نفوره من أضداده ومغايريه أم بسبب تحكم هذه الطبائع وقوة سيطرتها على الفرد بالقدر الذي يدفعه لانتحال كل الطرق التي تؤدي به إلى تجنب الاصطدام بطباعه ومزاجه ، فيجد في هذه الفكرة أو ذلك المنهج ما يشرعن لـه هذه الطباع والسجايا ليحظى بنوع من القنوات المناسبة للنفس وإشباعها بطريقة مرضية ومقبولة وهو ما يحقق للفرد نوعاً من التوازن والاتزان النفسي... وهكذا.الثالث: تأثير الظروف الجامدة والوضع الاجتماعي للفرد في اختياراته.الرابع: انسجام الفكرة المطروحة مع التجربة الشخصية الخاصة .الخامس: انسجام الفكرة مع ما لدى الفرد من انطباعات نحو الأشياء والمواضيع والقضايا وكذلك انسجامها مع ما لديه من قناعات مسبقة .السادس: انسجام الفكرة مع الدوافع النفسية للفرد كحب التمايز والرغبة في البروز أو النزوع إلى الاستقلال وتغطية النقص ، غير ذلك. السابع:التأثر النفسي والعاطفي بالشخوص رموز الفكرة .الثامن: رد الفعل النفسي أو العاطفي تجاه الشخوص أو المواقف أو المحيط الاجتماعي .. إلخ .التاسع: التأثر النفسي والعاطفي بمواقف الأفراد أو الطوائف أو الجماعات .العاشر:الوقوع الاتفاقي في الفكرة : وهي عادة ما تكون التجربة الأولى لـه في هذا المضمار مما يوقعه ولاشك في أسر جاذبية هذه التجربة باعتبارها تمثل انفتاحه الأول أو انتقاله من حياة إلى حياة أو من وضع إلى وضع عن طريق تبني هذا الفكر أو ذاك بحيث يجد في نفسه تعلقاً كبيراً به بسبب عوامل عدة منها الشعور العظيم بالإحسان والفضل أو التعلق بالشخوص ، هذا من جهة المتبنّي أما من جهة أصحاب الفكرة فلا شك أن لهم دوراً أولياً في تحقيق الخطوة الأساسية الأولى ثم دوراً آخر لاحقاً في تحقيق الخطوة الأساسية الثانية .وسنحاول أن نختصر المعطيات التي تقوم كلا الخطوتين على حدة وإن كنا لن نأتي عليها جميعاً لأن ذلك غير ممكن :الخطوة الأساسية الأولى :وهي التي تنزلق بالفرد إلى التبني اللاواعي أي غير الموضوعي بحيث تساهم هذه الخطوة في التأثير على الفرد لتوجيهه نحو اختيار هذا الفكر أو ذاك ويتم ذلك عبر جملة من الآليات منها :
قدرة الأتباع أو الرموز على الإيحاء والتصوير وسلوك طرق الاحتواء العاطفي من تحريض وإثارة إشفاق أو عطف أو خوف أو كوامن من انتقام .. إلخ.
. تحريك كوامن الانفعال والميل نحو تحقيق رغبة ما أو عاطفة ما باستخدام التألق الأسلوبي وتكثيف الشحنة وتركيز الخطاب واختزال القضايا وتبسيط الهموم وتذكية جذوة الأمل وإشباع التطلعات.. إلخ.
تهيئة القنوات الاجتماعية القادرة على الإشباع والتعويض وبذر روح النشاط والإشعار بالأهمية ونفخ روح العظمة والخصوصية.. إلخ.
. الإيحاء بملكية مفاتيح القضايا والإشكالات الخطيرة والمهمة والإشعار بالإحاطة والإلمام والقدرة والاقتدار.. إلخ.وبطبيعة الحال فإن ذلك جميعه يتحرك من خلال عدة اتجاهات هي ذاتها الآليات المستخدمة في الخطوة الثانية.الخطوة الأساسية الثانية :وهي التي تنتقل بالفرد من وضعية التبني كوضعية فكرية ونفسية بسيطة وابتدائية في كل مظاهرها من التردد والهدوء والحيرة و هشاشة الاستمساك وسهولة التبدل والتغير وضعف التعلق.. إلخ إلى حالة معقدة من التعلق والاستمساك وحرارة الاحتضان للفكرة ويتم ذلك بسلوك جملة من الاتجاهات منها :
الإعلاء من شأن الفكرة: بشكل تعبوي وعاطفي الذي ليس للعرض العلمي فيه من الحظ إلا قليلا ً في توجه إلى تضخيم المزايا وتسويق المحاسن وتعظيمها وإبراز النجاحات والتعظيم من شأنها .. إلخ في نفس الوقت الذي يتم فيه غض الطرف عن العيوب والتقليل من شأنها ومحاولة تجاوز ذكرها أو المرور عليها بشكل سريع ومستعجل أو عدم إعطائها أحجامها اللازمة في حالة ظهورها سافرة .وعلى خط آخر يتم الاتجاه إلى التهوين من شأن الأفكار المخالفة و الإغضاء من مميزاتها والتقليل منها والتشكيك من مكاسبها ونجاحاتها وحرف معانيها في نفس الوقت الذي يتم فيه تضخيم أخطائها وإبراز معايبها وتسقط عثراتها باستخدام كافة الطرق التعبوية التأثيرية لأجل استئصالها وتحجيمها وإثارة غبار الشك حولها وما يصحب ذلك من رميها بنعوت وأوصاف ذات ظلال وإيحاءات بعيداً عن أبسط قواعد الإنصاف.
الإعلاء من شأن رموز الفكرة وشخوصها : عن طريق إحاطتهم بهالة من التعظيم يتمظهر على هيئة أوصاف ونعوت رنانة تحمل بين تلافيفها دلالات امتلاك نواصي العلم والإحاطة والذكاء الغرائبي والتزكي من النقائض والأضداد ، مما يقود الأتباع بشكل لا شعوري نحو الميل شبه المطلق لتصديقهم والتسليم بكلامهم وتزكية اجتهاداتهم ومقاصدهم بكيفية تعلو بهم فوق إمكانية البحث والمراجعة لكلامهم وهي حالة أشبه ما تكون بالعصمة رغم خطورة هذا الوصف هنا بيد أن ذلك حقيقة واقعة من الناحية العملية على الرغم من نفيه قولياً باستمرار مخافة الوقوع في منزلق عقائدي ومع ذلك فإنه من النادر أن يتبع هذا النفي القولي أي سلوك عملي حقيقي ينبئ بعكس ذلك فإذا جاء هذا النادر العزيز فسيكون أقرب إلى محاولة تغييب الوعي والتلاعب بالحقائق منها إلى المحاولة الجدية والصادقة .. وذلك لإقناع النفس أو الغير بعدم الوقوع في شَرَك العصمة الزائف لهذا الرمز أو ذاك.وإلا فكيف يمكن تفسير ما يقع من تعلق كل طرف برموزه على الرغم من عدم قدرة أكثر الأفراد على التمييز الموضوعي لما يطرحه هذا الرمز أو ذاك حتى يتبناه ويترك خلافه ولو في أبسط القضايا الفقهية ؟ إضافة إلى ما يصحب ذلك من اطمئنان شبه مطلق لسلامة ما تبناه وكأنه المفهوم المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ .فنفي العصمة باللسان يناقضه العمل والسلوك هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه يتم الإغضاء عن عيوب هؤلاء الرموز والتقليل من شأنها واختلاق المعاذير لها بعيداً عن أدنى مراتب الصدق والمنطق مما يجعل الخطأ الكبير الذي يزن جبلاًً ، صغيراً ضئيلاً لا يزن ذبابة .وبالطبع فإن النقيض من ذلك كله يُضفى علي الرموز المخالفة متخطين في شأنهم أبسط قواعد الإنصاف والمعقولية بل وأبسط الحقوق الطبيعية والإنسانية أحياناً والتي تتطلب أقل قدر من البحث والتحري فيتم تجاوز أوضح البراهين دلالة وأشدها مصداقية لشبهة واهية أو حرف موهوم لا يمكن لـه أن يرتقي لمواجهة سيلٍ عرمٍ من الثوابت والقواطع فتهضم المزايا وتحقّر النجاحات وتقزّم الإمكانات وتجرح المقاصد والنوايا والمنطلقات..إلخ.
بذر الحواجز والعقبات : أمام أية محاولة للانفتاح والتواصل مع الأفكار المخالفة ولذلك أساليب عدة يتم تكثيفها حسب طبيعة الشخص وميوله وسجاياه ومواقفه وأهم هذه الأساليب :أ- إثارة المخاوف من إلقاء السمع وترك العقل ينظر في تلك الأفكار والتحذير من أية محاولة للإنصات إليها أو مناقشتها مع أصحابها من باب مجانبة أسباب النكوص والغواية والاشتباه ، ويصحب ذلك عدة مظاهر منها : محاولة إضفاء نوع من القدرة شبه السحرية على أصحاب الأفكار ورموزها التي تمكنهم من التأثير والاحتواء وإشعار التابع أو إقناعه بعجزه عن التوقي مما قد يقع ويعلق بقلبه من زيغ وضلال بفعل من الهوى أو الشيطان أو لزخرف من القول غروراً .ب- قطع الرجاء من إحراز أية فائدة أو تحقيق أي نجاح أو تحصيل أدنى مكسب من وراء تلك الأفكار المخالفة وترسيخ عدم جدوى ذلك.ج- استخدام أسلوب القمع والتضييق والمحاصرة الاجتماعية والإقصاء الأدبي والشعوري واللامبالاة أو التغاضي أو المقاطعة..إلخ وربما بإثارة الشكوك أو السخرية أو الاتهام..إلخ.د- التشكيك في مصداقية المخالف وبذر الظنون حوله سواء من الناحية العلمية أم من ناحية الإخلاص وسلامة القصد والنية أو السلامة المعنوية.هـ- توظيف الفحوى الضمني للنصوص والمقولات والذي يأمر بمجانبة أهل الزيغ والضلال وبضرورة التمايز والانفصال .و- تحريك كوامن المخاوف الغيبية وتوظيف الوازع الداخلي الجانح للحذر والاحتياط .
. تشريع الأصول والقواعد : التي يتم عن طريقها تحديد الأوصاف والعلامات لمن يمكن عدهم أهلاً للاستماع إليهم أو تعطي مصداقية التدليل على كلامهم ليُقبل أو يُرفض .
بذر الحواجز النفسية والعاطفية : التي تعطل الكفاءة الإنسانية والمعنوية التي يمكن أن تدفع التابع إلى التأثر بالمخالف أو قدرته الاجتماعية لتعطيل ما يمتلكه من حقائق وبراهين .
تعميق الهوة مع الأفكار المخالفة : باستخدام طرق الإفساد والوشاية والأساليب المغرضة لحفر خندق عميق لا يمكن تجاوزه بين التابع والفكر المخالف .ولاشك أن هناك جملة من الأمور الذاتية والظروف الخاصة التي تساهم في ذلك كله.. أهمها :الأمر الأول : الطبيعة المتأصلة في الإنسان والتي تميل به إلى الدعة والراحة وتنفره من التعب والنصب مما يحرك دواعي الكسل والخلود إلى الراحة وهذا ولاشك سيكون عقبة كؤوداً أمام التحري والبحث والمراجعة والجهد الذي يقتضيه الاختيار الواعي باعتبار أن ذلك سيكون مفارقاً لرغبات النفس بلا أدنى ريب.الأمر الثاني: صعوبة إشعار النفس بالخطأ و مرارة الإقدام على التراجع.الأمر الثالث: غلبة طبيعة المسايرة والمجاملة و الخوف من المخالفة.الأمر الرابع: الغرور والاستكبار وعدم الجدية.الأمر الخامس: ضعف أدلة المخالفين ، أو هشاشة أساليب عرضهم.الأمر السادس: استفزازية طرقهم المستخدمة في العرض وتعسفية أساليبهم وعدم أهلية شخوصهم العلمية والمعنوية.الأمر السابع: الاستجابة لدواعي الصراع و كثافة المواجهة مع الخصوم.الأمر الثامن: عدم الانفتاح على الآخرين والتعلق العاطفي بالفكرة والانغماس في أجوائها.الأمر التاسع :التعلق العاطفي بالشخوص والثقة المفرطة في الرموز والأقطاب.الأمر العاشر: استجابة الفكرة لنوعية المصالح و الرغائب والطموحات الشخصية.إذن فقد كانت تلك إطلالة عامة على العوامل أو الآليات التي تعمل على دفع الفرد للتبني غير الواعي بل وتدعم استمرارية هذا التبني وتساهم في تكريسه وتثبيته دون أية اختيارات واعية علمية موضوعية سواء على مستوى التأسيس أم على مستوى الدعم والإمداد للبقاء والاستمرار.بيد أن الذي تنبغي ملاحظته هو أن الإنسان ليس متصفاً بالنسقية والتزام خط واحد دائماً بحيث يمكن توقع حركته وتقعيدها وذلك لتعقد العوامل النفسية والانفعالية والعقلية التي تقف وراء حركته مما قد يقلب المعادلة رأساً على عقب لتقع الانتقالة الفجائية أو البطيئة نسبياً من اتجاه إلى آخر دون أن يعني ذلك أبداً أن هذه الانتقالة أو تلك قد تمت بموضوعية ووعي بل ستتم بنفس الجوهر الذي قوَّم الاختيار الأول بناءً على تفاعل ما يتم في إطار العوامل السالفة الذكر وبشكل قد يمكن تحليله وقد لا يمكن فتقع الانتقالة في حين تبقى المحصلة النهائية هي الاختيار غير الواعي وغير الموضوعي فالمظاهر والأسباب تتعدد وتتنوع إلا أن الجوهر واحد لا يتعدد ولا يتنوع .

ليست هناك تعليقات: