21‏/07‏/2009

أهلاً بكم بين أسطر مدونتي الفصامية جداً.

ولأجل لحظتكم ( هنا ) ، سوف أصطاد لكم نبضات ثلاث :
( نبضة أولى ) :
إن النصوص كائنات مخاتلة مخادعة ، توحي لك بالموت أحياناً، ولكنها لا تموت موتًا حقيقياً على الإطلاق ، .بل هو موتٌ زائف ،مصطنع ، مؤقت ، تمليه قواعد اللعبة ، في مواجهة استعصاء الذاكرة .لماذا أقول هذا ؟؟
لأنني عندما فكرت في أن تكون لي مدونة ، كان أول ما قد خطر ببالي هو أن أقصي وأبعد من فضاءها ، كل ما قد تجاوزته أو كفرت به من رؤى وقناعات كانت تسوسني في يوم ما ، وأقتصر فقط ، على ما يمكنه أن يعكس طبيعة التطورات الآنية الحاصلة في كياني الثقافي أو الفكري ..الخ .ولكنه سرعان ما تبين لي عقم هذه الطريقة وسخفها في آن معاً.و ذلك لما تتسم به من تنكر فاضح ، لقانون السيرورة ، وتجاهل ثقيل لسيولة الحياة وحيويتها ، حيث لاضمانة أبدية لأية قناعة أو فكرة ، كما لاحصانة مطلقة لأي معتقد أو مبدأ ، فما أكفر به اليوم ، قد أؤمن به غداً ، وما أتجاوزه هنا قد أجد فيه بعض ما يشدني إليه هناك .. وهكذا .وذلك هو سلوك الروح الدائم ، في مواجهة الكون والعالم ، حتى في أكثر تجلياتها ثباتاً واستقراراً.إذن فخاطرتي الساذجة هذه ، لا تضمر لي شيئاً سوى أن أكون كياناً طفيليًا يعتاش على مخايل الماضي ، ولكن دون ذاكرة .فكان لابد من نزعها من نخاعي الشوكي بقوة وعناد ، لأنخرط من فوري في تأهيل (ذاكرتي / كتاباتي ) ، وإيقاظ كائناتها النائمة ، الكسول المستلقية في الظل . . لأصنع لها ( مدونة/ أستعيد ذاكرة ) .وبات متعيناً عليّ الآن أن أنصح ضيوفها العابرين أن يحزموا أمرهم لخوض غمار ( رحلة فصامية كاملة ) بكل معاني اللغة ، وغوايتها.فيا قارئي العابر : لن يكون تعاطفك مع مدونتي ممكناً ، وأنت تقلب زواياها بحثاً عن حقيقة ما ، إذ لاحقيقة ما هنا.وما هذه المعاني الفخمة العريضة التي تتبدى بها بعض نصوصي ،إلا مجرد إيحاءات موبوءة ، قد تغويك بمعانقة عوالممها النزقة المتفلتة التي لا تهدأ ولا تستقر إلا كما يستقر السراب ، الذي تنطوي كل لحظة من لحظاته على فرصة ناضجة للتحول والهروب .إذن فلا أمل في عقد مصالحة مفاجأة غير متوقعة بينك وبين (مدونتي ) ، إلا باليأس من الوصول إلى أي معنى سوى معنى واحد فقط ، وهو موقف الفاعلية الإنسانية أزاء سخافة الموت .الموت كفكرة داعرة لعينة ، وجذابة أحياناً.وهي تجليات ولاشك مثقلة بكل مسيرة العمر البليد ، وخطواته المخنوقة (بصراخ) الطين والرماد .
(نبضة ثانية ) :
ولأنه من الحكمة العقيم الحمقاء ( تجميل ) الذاكرة ، وتزيينها ، كان لابد من تدوين نصوصي كما أنزلت أول مرة ، لأن ذلك أدعى لاستعادة لحظة التوهج ، والاحتفاء معاً ، من حيث هما معادلان أزليان ، للحظة الولادة .ولذا كان من الطبيعي أن تموج مساحات هذه المدونة بكل أطياف التناشز ،و التناقض ، حيث تختفي – أحياناً – كل الروابط الممكنة بين كيانات هذه ( المدونة ) ، عدا ذاك الجنون و الفصام الأزلي الذي يناص نبضاتها ويباطنها- جميعاً- منذ أن ( لم تخلق ) بعد .
( نبضة ثالثة ) :
إذن فليكن الجنون والفصام هو السبيل المميز ، والوحيد للمصالحة مع أناي العصية الشاردة ، وإلا فدع الرحيل يقودك إلى فضاء آخر أكثر جبناً وحكمة.



===============================


سياق الكتابة


إذا تجاوزنا القول : بأن الكتابة هي معادل الاتزان والبقاء بالنسبة لي .
فيمكنني القول بأنني أكتب أو أمارس فعل الكتابة من خلفية الرغبة في المثاقفة وتبادل الآراء والأفكار والخبرات، وليس من خلفية هواجس أخرى،كالدفاع عن رؤى أو أفكار أو معتقدات مذهبية، أو الترويج والدعاية لوجهات نظر معينة.
وحتى ما أقدمه من مشاركات مبثوثة هنا أو هناك خارج هذه المدونة، فهي ليست سوى محاولات لفهم بعض القضايا الدينية أو التاريخية، أعرضها في تلك الفضاءات المفتوحة،لغرض البحث و التعاطي والمداولة، ولكن دون التورط في أي خطة مسبقة..من شأنها التشويش على هذه الغاية الناصعة. فهواجس التبني لم تعد تعنيني في شيء، لأنني عرفت- منذ زمن-بأنني خالي الوفاض مما يمكن أن يدعوه الكثيرون، بالحق أو الحقيقة على اختلاف التسميات.

إذ أن فاقد الشيء -كما هو معروف-لا يعطيه.. فأنا بكل بساطة:
إنسان ضال جداً وفق هذا المعيار.
ولهذا فقد تلاشت كل جذوتي التي كانت تدعوني-يوماً ما-إلى الصراع من أجل حقيقة مذهبية أو طائفية أو حزبية.. غير أنني لم أفقد جذوتي في الدفاع عن حقي في التساؤل والمراجعة ، وعدم الانجرار وراء وهج اللافتات والعناوين والأسماء، وكل المفردات البراقة التي صنعتها مفاعيل التاريخ بحق أو بدونه.
أما المسارات التي تتخذها الكتابة-كفعل عقلي وفيزيائي- في ممارستي اليومية، فهي تتمثل في سلوك البحث والتساؤل والمراجعة،لكل الإرث الثقافي والديني والتاريخي،الذي تلقيته بحكم المولد و النشأة والجغرافيا.
وأنا لا أنكر بأن موقفي النقدي هذا، قد طال كل شيء بما في ذلك الرموز المذهبية والمرجعيات الدينية الكبرى، وممارستها الاجتهادية بكل مفاعيلها المتجهة لتدشين نصوصها المركزية الخاصة داخل السياق الديني كجينات أو(مورثات) حاملة لأهم العناصر المكونة لرؤاها ومواقفها وانحيازاتها المختلفة في داخل هذا السياق .
بل لعل موقفي النقدي قد طال (النص المؤسس) نفسه،وما أفرزه من رؤى (متداولة) حول الإنسان والكون والعالم، وما دشنه من أسيقة (ميثيولوجية)، متعالية بغية إعداد المسرح الإنساني و تأثيثه استعداداً للمشهد النهائي، وفق منظور إيديولوجيا الخلاص.
ويمكن القول هنا: بأن مجمل ما أكتبه عادة، كان مسخراً لتدشين كتابات نظرية، تؤسس لما قبل التوظيف الخاص للرؤى والنصوص من طرف الفرق والمذاهب.
وهي محاولات أنشغل بها كثيراً،وتستفرد بجل محاولاتي الكتابية في الوقت الراهن..وإن كان مجمل ما كتبته في هذا الصدد، لم أسجله بعد في هذه المدونة لأسباب لا مكان لشرحها هنا.

ولذا يتعين على ضيوفي العابرين،اعتبار هذه المدونة-إلى حد الآن-هي مجرد أرشيف لكتابات سابقة أو قديمة التاريخ في معظمها.
وهي كتابات متنوعة وكثيرة جداً،كانت قد تكدست وتراكمت عبر تيك السنيين الطويلة الخصبة التي أمضيتها في الكتابة داخل أسوار العزلة في مرحلة سجني المبكر (كسجين إسلامي سياسي)، والتي امتدت إلى(12) عاماً تقريباً.
ولعل تدشين مثل هذه المدونة يكون بمثابة المحفز والمهماز الذي سيتوج في نهاية المطاف بإخراج هذا (الأرشيف) الذي ظل طي الأوراق الكتيمة إلى هذا البراح المفتوح الذي لا يحده وصف.

لعل ذلك لا يطول كثيراً، رغم كل هذه المحبطات العملية والنفسية الجمة التي تحيط بي وتعترضني كلما حاولت أن أخطو خطوة في هذا السبيل.